جدل الأضحية بالطيور يتصاعد.. والإفتاء تؤكد: لا تجزئ إلا من الأنعام
أشعلت التصريحات الأخيرة للدكتور سعد الدين الهلالي موجة واسعة من الجدل الفقهي والديني، بعدما تحدث عن جواز التضحية بالطيور شرعًا، معتبرًا أن هناك آراء فقهية تجيز ذلك في إطار التيسير على المواطنين، خاصة مع ارتفاع أسعار الأضاحي واقتراب موسم عيد الأضحى المبارك.
وجاءت تصريحات الهلالي لتفتح بابًا واسعًا للنقاش بين علماء الدين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي حول حدود الاجتهاد الفقهي، وما إذا كان يجوز الخروج عن الرأي المستقر لدى جمهور الفقهاء فيما يتعلق بشروط الأضحية وأنواعها.
وسرعان ما تحولت القضية إلى محور نقاش ديني واسع، خصوصًا بعد الرد الحاسم الذي صدر عن الدكتور محمد مختار جمعة، إلى جانب البيان الرسمي الصادر عن دار الإفتاء المصرية، والذي أكد أن الأضحية لا تصح إلا من بهيمة الأنعام.
وأكد الدكتور سعد الهلالي أن هناك بعض الاجتهادات الفقهية التي ترى جواز التضحية بكل ما يؤكل لحمه، بما في ذلك الطيور، معتبرًا أن هذا الرأي يأتي في إطار التيسير ورفع المشقة عن المواطنين.
وأشار إلى أن الفقه الإسلامي عرف عبر تاريخه تعددًا في الآراء والاجتهادات، وأن باب الاجتهاد لا يزال مفتوحًا في بعض المسائل التي تحتمل النظر الفقهي.
وأوضح أن الهدف من طرح مثل هذه الآراء هو البحث عن حلول تتناسب مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها بعض الناس، خاصة مع ارتفاع أسعار الماشية وصعوبة شراء الأضاحي لدى عدد كبير من الأسر.
وأثارت هذه التصريحات حالة من الانقسام، حيث رأى البعض أنها محاولة للتيسير، بينما اعتبرها آخرون مخالفة لما استقر عليه العمل الفقهي في الأمة الإسلامية منذ قرون طويلة.
مختار جمعة يرد بحسم
وفي رد سريع وحاسم، رفض الدكتور محمد مختار جمعة ما أثير بشأن جواز التضحية بالطيور، مؤكدًا أن هذا القول يُعد مخالفًا لما استقر عليه جمهور العلماء والفقهاء.
وشدد وزير الأوقاف السابق على ضرورة الالتزام بالأحكام الشرعية الثابتة والمعمول بها في مسائل العبادات والشعائر، خاصة فيما يتعلق بالأضحية التي تُعد من أعظم شعائر الإسلام.
وقال مختار جمعة في تصريح واضح:
“لا يجوز تتبع الشاذ من الأقوال في ذلك أيا كان قائله”.
وأكد أن فتح الباب أمام الآراء غير المستقرة فقهيًا يؤدي إلى إرباك الناس وإثارة البلبلة في القضايا الدينية الواضحة التي انعقد عليها إجماع الأمة وعملها عبر العصور.
وأضاف أن العبادات لا تُبنى على الرغبات الشخصية أو محاولات التخفيف غير المنضبط، وإنما تقوم على النصوص الشرعية وما استقر عليه جمهور العلماء.
دار الإفتاء تحسم الجدل
ومن جانبها، تدخلت دار الإفتاء المصرية لحسم الجدل الدائر حول المسألة، مؤكدة بشكل قاطع أن الأضحية لا تصح إلا من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم.
وقالت دار الإفتاء في بيانها:
لا يجزئ في الأضحية إلا أن تكون من الأنعام؛ وهي: الإبل، والبقر، والغنم.
وأكدت أن القول بجواز التضحية بكل حيوان يؤكل لحمه، بما في ذلك الطيور، يُعد رأيًا ضعيفًا وغير معتبر في الإفتاء، فضلًا عن كونه مخالفًا لما استقر عليه عمل الأمة الإسلامية عبر تاريخها.
وأوضحت أن النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية جاءت محددة لأنواع الأضاحي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى من بهيمة الأنعام، وكذلك فعل الصحابة والمسلمون من بعده.
حقيقة الاستدلال بقول أحد الصحابة
كما ردت دار الإفتاء على ما يتم تداوله بشأن وجود رأي منسوب إلى أحد الصحابة يجيز التضحية بالطيور، مؤكدة أن هذا الاستدلال غير صحيح من الناحية الفقهية.
وأوضحت أن النص المنقول عن الصحابي ليس على ظاهره، وحتى إذا فُرض حمله على ظاهره، فإنه يظل اجتهادًا فرديًا لا يُحتج به إذا خالف ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأضافت دار الإفتاء:
“ما ورد أن أحد الصحابة قال بجواز التضحية بالطيور غير صحيح؛ لأن النص الوارد عنه ليس على ظاهره، وإن حُمِل على ظاهره فهو مجرد اجتهاد من الصحابي، لكنه مخالف لما قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا حجة فيه”.
وأكدت أن الأحكام المتعلقة بالشعائر التعبدية الكبرى ينبغي أن تستند إلى النصوص الثابتة والإجماع المستقر، وليس إلى الأقوال الفردية أو الاجتهادات الضعيفة.
وأعاد الجدل الدائر حول فتوى التضحية بالطيور تسليط الضوء على قضية مهمة تتعلق بحدود الاجتهاد الفقهي، والفارق بين التيسير المشروع وتتبع الآراء غير المعتمدة.
وأكد عدد من المتخصصين في العلوم الشرعية أن الإسلام دين يسر بالفعل، لكن التيسير لا يعني تجاوز النصوص أو مخالفة ما استقر عليه جمهور العلماء في مسائل العبادات.
وأشاروا إلى أن الفتوى تحتاج إلى مراعاة استقرار الأحكام الشرعية، خاصة في القضايا التي تمثل شعائر جماعية للأمة الإسلامية، مثل الحج والأضحية والصيام.
وأضافوا أن فتح الباب أمام الآراء الشاذة أو غير المعتمدة قد يؤدي إلى اضطراب المفاهيم الدينية لدى الناس، ويخلق حالة من البلبلة في القضايا التي يفترض أن تكون واضحة ومستقرة.
اقرأ أيضاً.. الإفتاء تحسم الجدل: يجوز تحويل النسك من التمتع إلى القِران عند تعذر أداء العمرة