الإفتاء تحسم الجدل: يجوز تحويل النسك من التمتع إلى القِران عند تعذر أداء العمرة
أوضحت دار الإفتاء المصرية الحكم الشرعي المتعلق بمن نوى التمتع بالحج، ثم تعذر عليه أداء العمرة قبل الوقوف بعرفة بسبب تغير برنامج الرحلة أو أي ظرف آخر يمنعه من إتمام العمرة في وقتها.
وأكدت دار الإفتاء أن المسلم إذا أحرم بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج، ثم وصل إلى مكة المكرمة وتغيرت ظروف الرحلة، كأن يتم الانتقال إلى زيارة سيدنا رسول الله ﷺ في المدينة المنورة، أو يطرأ أي مانع يحول دون أداء العمرة قبل يوم عرفة، فإنه يجوز له شرعًا أن يحول النسك من التمتع إلى القِران، دون حرج أو إثم.
وبيّنت أن هذا التحويل مشروع ومعتبر في الفقه الإسلامي، على أن يكون على الحاج في هذه الحالة هدي القِران، باعتباره قد جمع بين العمرة والحج في نسك واحد.
ويأتي هذا التوضيح في ظل تساؤلات متكررة من الحجاج، خاصة مع تغير برامج السفر والحملات، أو حدوث ظروف طارئة تتعلق بمواعيد التنقل والإقامة، ما يدفع البعض إلى القلق بشأن صحة النسك وإمكانية استكمال المناسك بصورة صحيحة.
ما الفرق بين التمتع والقِران؟
ويُعد نسك التمتع أحد الأنساك الثلاثة للحج، وفيه يؤدي المسلم العمرة أولًا، ثم يتحلل منها، وبعد ذلك يُحرم بالحج في وقته.
أما القِران، فهو الجمع بين الحج والعمرة بإحرام واحد، بحيث يؤدي الحاج المناسك دون تحلل بين العمرة والحج، ويظل على إحرامه حتى الانتهاء من أعمال الحج.
ويرى العلماء أن الشريعة الإسلامية راعت أحوال الناس وظروفهم، فجعلت في المناسك سعة ورحمة، بما يرفع المشقة عن الحجاج، خاصة في الأحوال الطارئة التي قد تفرض تغييرات على خطط السفر أو أداء الشعائر.
وفي سياق الحديث عن معاني الحج وأسراره الروحية، أكد الدكتور علي جمعة أن الحج ليس مجرد شعائر ظاهرية، بل هو رحلة إيمانية عميقة تحمل معاني سامية وحِكمًا عظيمة، تدعو المسلم إلى التأمل في أركانه وأفعاله وما يتركه من آثار على النفس والروح.
وأوضح أن الحج في مجمله يمثل تطهيرًا للأبدان، وتزكيةً للنفوس، وتربية عملية على الطاعة الكاملة لله سبحانه وتعالى، والإخلاص في العبادة، والانقياد لأوامره دون تردد.
وأشار إلى أن كل شعيرة من شعائر الحج تحمل رسالة إيمانية وتربوية، تُعيد تشكيل الإنسان روحيًا وأخلاقيًا، وتربطه بالله تعالى بصورة أعمق.
التجرد الكامل لله.. أول دروس الحج
وبيّن الدكتور علي جمعة أن أول المعاني العظيمة في الحج هو “التجرد”، حيث يبتعد الإنسان عن زخارف الدنيا وهمومها، لتصفو نفسه، وتسمو روحه، ويزداد قربًا من الله تعالى.
ويبدأ هذا المعنى منذ لحظة الإحرام، التي تمثل إعلانًا عمليًا للتجرد من متاع الدنيا، والانقطاع إلى الله وحده.
واستشهد بقول الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
وأكد أن الحاج في حالة التجرد هذه يقترب من صفات الملائكة الذين وصفهم الله تعالى بقوله:
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
كما نقل ما قاله الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين”، حين تحدث عن التجرد للخير وسمو النفس بالطاعة والرجوع إلى الله.
وأوضح أن الحاج عندما يقترب من هذه المعاني الإيمانية، يبتعد عن الرفث والفسوق والجدال، ويُقبل على التقوى والعمل الصالح.
واستشهد بقول الله تعالى:
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
كما أشار إلى حديث النبي ﷺ:
«من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه».
مؤكدًا أن الحج الحقيقي ليس مجرد انتقال جسدي بين المشاعر المقدسة، بل هو انتقال روحي وأخلاقي يغيّر الإنسان من الداخل
ومن المعاني التي توقف عندها الدكتور علي جمعة، حالة الذكر والتلبية التي يعيشها الحجاج طوال الرحلة المباركة.
فالحاج كما يقول عندما يتجرد قلبه لله، يلهج لسانه بالذكر والدعاء والتكبير، حتى تتحول المشاعر المقدسة إلى لوحة إيمانية مهيبة تتردد فيها كلمات:
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك».
وأشار إلى حديث النبي ﷺ:
«ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه أو عن شماله، من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا ومن هاهنا».
مبينًا أن التلبية ليست مجرد كلمات تُردد، بل إعلان خضوع كامل لله تعالى، وتجديد للعهد معه سبحانه.
ووصف الدكتور علي جمعة لحظة رؤية الكعبة المشرفة بأنها من أعظم اللحظات الإيمانية التي يعيشها المسلم في حياته.
ففي هذه اللحظة كما يقول يشعر الإنسان أن الأرض تلتقي بالسماء، وأن أبواب الرحمة قد فُتحت، خاصة مع ما ورد في فضل الدعاء عند رؤية الكعبة والطواف حولها.
وأشار إلى حديث النبي ﷺ:
«الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم».
كما نقل عن الإمام عبد الرؤوف المناوي حديثه عن فضل النظر إلى الكعبة، وأنه من مواطن استجابة الدعاء ورجاء الرحمة.
وأكد أن الطواف حول الكعبة يحمل معاني عظيمة من التعلق بالله تعالى، والتشبه بالملائكة الطائفين حول العرش والبيت المعمور.
أما السعي بين الصفا والمروة، فيمثل صورة من صور الافتقار إلى الله، واللجوء إليه، والسير في طريق الرجاء واليقين.
وأوضح أن هذه الشعائر ليست حركات شكلية، بل رسائل تربوية عميقة تُعلّم المسلم الصبر والطاعة والتوكل الكامل على الله.
وتحدث الدكتور علي جمعة عن يوم عرفة بوصفه أعظم مشاهد الحج وأشدها تأثيرًا في النفس، حيث يجتمع ملايين المسلمين من مختلف الجنسيات والأعراق في مكان واحد وزمان واحد.
وقال إن هذا المشهد يُجسد وحدة الأمة الإسلامية، ويُذكر الإنسان بيوم الحشر، حين يقف الخلق جميعًا بين يدي الله تعالى.
واستشهد بقوله سبحانه:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
اقرأ أيضاً.. حال الصحابة في العشر الأوائل من ذي الحجة… نموذج فريد في تعظيم مواسم الطاعة