كيف حمى العرب الحجاج قبل الإسلام؟.. خالد الجندي يكشف سر الأشهر الحرم
كشف الشيخ خالد الجندي تفاصيل النظام الذي اتبعه العرب قبل الإسلام لتأمين رحلات الحج وحماية قوافل الحجاج المتجهة إلى بيت الله الحرام، موضحًا أن العرب رغم ما عُرف عنهم من صراعات وحروب قبلية، كانوا يعظمون الكعبة المشرفة وشعيرة الحج تعظيمًا كبيرًا، الأمر الذي دفعهم إلى الاتفاق على تحريم القتال في أشهر معينة من السنة.
وأوضح الشيخ خالد الجندي، خلال حلقة برنامج لعلهم يفقهون المذاع على قناة DMC، أن أول شهور السنة الهجرية هو شهر المحرم، وسُمي بهذا الاسم لأن العرب قبل الإسلام اتفقوا على تحريم القتال فيه، احترامًا لقدسيته وحرصًا على تأمين الناس، خاصة الحجاج.
وأشار إلى أن هذا الاتفاق لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة احتياج حقيقي لدى العرب لتوفير الأمان لقوافل الحج التي كانت تقطع مسافات طويلة عبر الصحراء للوصول إلى مكة المكرمة، في ظل غياب الدول المنظمة أو وسائل الحماية الحديثة.
الأشهر الحرم
وبيّن عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أن العرب خصصوا أربعة أشهر حرم، يمتنع فيها القتال وسفك الدماء وقطع الطريق، وذلك من أجل حماية المسافرين والحجاج، وإتاحة الفرصة أمام القبائل للتنقل بأمان.
وأوضح أن البداية كانت بتحريم القتال في شهر رجب، وهو الشهر المفرد بين الأشهر الحرم، ثم توسع الأمر ليشمل ثلاثة أشهر متتالية مرتبطة بموسم الحج، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وأكد أن هذه الأشهر جاءت متتابعة بحكمة شديدة، حيث يُمنع القتال قبل الحج بشهر كامل، ثم أثناء أداء المناسك في شهر ذو الحجة، ثم بعد انتهاء الحج في شهر المحرم، حتى يتمكن الحجاج من العودة إلى ديارهم بأمان دون خوف من الاعتداءات أو الحروب القبلية.
وأضاف أن هذا النظام يعكس مدى إدراك العرب لأهمية الأمن والاستقرار في إنجاح رحلة الحج، التي كانت تستغرق أسابيع وربما شهورًا ذهابًا وإيابًا.
رحلة الحج قديمًا.. مشقة السفر وخطر الطريق
وأشار الشيخ خالد الجندي إلى أن رحلة الحج في الماضي لم تكن سهلة كما هي اليوم، بل كانت مليئة بالمخاطر والتحديات، إذ كان الحجاج يسافرون عبر الصحارى والوديان لمسافات طويلة على ظهور الإبل والدواب، ويتعرضون خلال الطريق لاحتمالات السرقة أو الاعتداء أو الصراعات القبلية.
وأوضح أن العرب أدركوا أن استمرار القتال في هذه الفترات سيؤدي إلى تعريض الحجاج للخطر، ولذلك اتفقوا على هدنة عامة تشمل جميع القبائل، بحيث تُرفع فيها الأسلحة وتتوقف الثارات مؤقتًا، حفاظًا على قدسية البيت الحرام وسلامة الوافدين إليه.
وأكد أن العرب كانوا يعتبرون الالتزام بهذه الأشهر عهدًا مقدسًا لا يجوز نقضه، وكانت الكلمة لديهم بمثابة ميثاق شرف تلتزم به القبائل المختلفة مهما بلغت الخلافات بينها.
وأوضح خالد الجندي أن العرب قبل الإسلام كانوا يملكون قدرًا من التعظيم للكعبة المشرفة ولشعائر الحج، رغم ما شاب حياتهم من مظاهر الجاهلية، مشيرًا إلى أن احترام البيت الحرام كان جزءًا راسخًا من ثقافتهم وتقاليدهم.
وبيّن أن هذا التعظيم ظهر بوضوح في التزامهم بتحريم القتال في الأشهر الحرم، وامتناعهم عن التعرض للحجاج أو قوافل التجارة المرتبطة بموسم الحج.
وأضاف أن الكعبة المشرفة كانت تمثل مركزًا دينيًا واجتماعيًا واقتصاديًا مهمًا للعرب، ولذلك حرصوا على بقاء الطريق إليها آمنًا ومستقرًا، إدراكًا منهم لمكانتها الكبرى بين القبائل العربية.
الإسلام أقر نظام الأشهر الحرم
وأكد الشيخ خالد الجندي أن الإسلام جاء فأقر هذا النظام، وثبّت حرمة الأشهر الحرم، لما تحمله من معانٍ عظيمة تتعلق بحفظ الدماء وتحقيق الأمن والسلام بين الناس.
واستشهد بقول الله تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وأوضح أن الأشهر الحرم التي أشار إليها القرآن الكريم هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وأشار إلى أن الإسلام لم يكتفِ بإقرار هذا النظام، بل ربطه بقيم أخلاقية وروحية عميقة، تقوم على احترام النفس البشرية، ومنع الظلم، وترسيخ معاني الرحمة والأمان بين الناس.
وشدد خالد الجندي على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم لم يكن مجرد تنظيم زمني، بل كان رسالة حضارية تؤكد أهمية صيانة الدماء وحماية الإنسان، حتى في أكثر المجتمعات التي عرفت الصراعات والنزاعات.
وأوضح أن هذا التشريع يعكس جوهر الدين الإسلامي القائم على نشر السلام، وتحقيق الأمن، وتعظيم حرمة النفس البشرية، مؤكدًا أن الإسلام جاء ليبني مجتمعًا يحترم الإنسان ويحفظ له أمنه وكرامته.
وأضاف أن التأمل في نظام الأشهر الحرم يكشف كيف أن الحج لم يكن مجرد عبادة فردية، بل كان مناسبة كبرى تجمع الناس على السكينة والتعايش، وتدعو إلى وقف الحروب والخلافات، حتى تتحقق رسالة الحج القائمة على الطهر والوحدة والسلام.
اقرأ أيضاً..علي جمعة: العشر الأوائل من ذي الحجة من أعظم أيام الدنيا


