رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د.ياسمين جمال تكتب: الخوف من الفشل لدى الطلاب.. كيف يتحول الضغط الدراسي إلى أزمة نفسية؟

تفصيلة

أعادت واقعة الطالب الذي أنهى حياته بعد اتهامه بالغش خلال الامتحانات فتح النقاش حول الضغوط النفسية التي يعيشها بعض الطلاب، خاصة في فترات التقييم الدراسي، ومدى تأثير الخوف من الفشل أو العقاب على حالتهم النفسية. فبعيدًا عن تفاصيل الواقعة نفسها، تظل القضية الأهم هي ما تكشفه مثل هذه الحوادث من احتياج حقيقي لإعادة النظر في طريقة تعاملنا مع الامتحانات، ومع الأبناء خلال هذه المرحلة الحساسة.

فالامتحانات، في أصلها، وسيلة لقياس مستوى التحصيل الدراسي، لكنها في كثير من الأحيان تتحول داخل بعض البيوت إلى مصدر قلق وضغط نفسي مستمر. إذ يشعر بعض الطلاب أن مستقبلهم بالكامل متوقف على درجات محددة، وأن أي خطأ قد يعني فقدان التقدير أو الثقة أو حتى الشعور بالأمان داخل الأسرة. ومع تراكم هذا الضغط، يصبح الخوف من التعثر أكبر من القدرة على المواجهة.

ومن ناحية أخرى، لا يمكن تبرير سلوك الغش، لكنه في الوقت نفسه لا يجب أن يُفهم بمعزل عن الحالة النفسية التي قد يمر بها بعض الطلاب. فبعض الأبناء لا يلجأون إلى هذا السلوك بدافع الاستهانة، بقدر ما يكون انعكاسًا لحالة خوف شديدة من الفشل أو من خيبة التوقعات. وهنا، يصبح من المهم أن نتعامل مع المشكلة من زاوية تربوية ونفسية، لا من زاوية العقاب فقط.

كما أن كثيرًا من الطلاب يعيشون تحت ضغط المقارنة المستمرة، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم ربط النجاح دائمًا بالتفوق الكامل، وكأن الخطأ أو التعثر أمر غير مقبول. ومع الوقت، قد تتكون لدى الطالب قناعة بأن قيمته الشخصية مرتبطة بدرجاته فقط، وهو ما يجعله أكثر هشاشة أمام أي أزمة دراسية.

وفي هذا السياق، يبرز دور الأسرة باعتباره العنصر الأكثر تأثيرًا في تشكيل نظرة الأبناء لأنفسهم وللنجاح والفشل. فالطالب الذي يشعر أن الحب والدعم مرتبطان فقط بالنتائج، قد يعيش في حالة خوف دائم من التقصير. بينما يحتاج الأبناء إلى الشعور بأنهم مقبولون ومحبوبون حتى في لحظات التعثر، وأن الخطأ لا يلغي قيمتهم ولا ينهي فرصهم في النجاح مستقبلًا.

كذلك، فإن طريقة الحديث عن الامتحانات داخل البيت تلعب دورًا كبيرًا في تخفيف الضغط أو زيادته. فالتعامل مع الامتحان باعتباره “معركة مصيرية” قد يضاعف القلق، بينما يساعد الخطاب الهادئ الواقعي على طمأنة الطالب وتشجيعه على بذل الجهد دون خوف مبالغ فيه.

أيضا، تمر مرحلة المراهقة بطبيعتها بحالة من الحساسية النفسية والتقلب الانفعالي، وهو ما يجعل بعض الشباب أكثر تأثرًا بالمواقف الضاغطة، وأقل قدرة على التحكم في ردود أفعالهم وقت الأزمات. ولهذا، فإن أي موقف يشعر فيه الطالب بالخوف الشديد أو الإحراج أو فقدان الأمان قد يترك أثرًا نفسيًا أكبر مما يتوقعه المحيطون به.

كما أن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يساهمان أحيانًا في زيادة الضغط النفسي على الطلاب، من خلال التركيز المستمر على نماذج النجاح المثالية، أو تضخيم فكرة التفوق باعتبارها الطريق الوحيد للقبول المجتمعي. وهو ما يجعل بعض الشباب يشعرون أن التعثر الدراسي يعني الفشل الكامل، لا مجرد تجربة يمكن تجاوزها.

وفي المقابل، نحن بحاجة إلى نشر ثقافة مختلفة، تقوم على أن النجاح الحقيقي لا يعني عدم الوقوع في الخطأ، بل القدرة على التعلم منه والبدء من جديد. فالأبناء يحتاجون إلى من يعلمهم كيف يواجهون الإخفاق، لا كيف يخافون منه.

كما أن المدارس والمؤسسات التعليمية مطالبة بتعزيز الاهتمام بالدعم النفسي للطلاب، خاصة خلال مواسم الامتحانات، لأن بعض الأبناء قد يمرون بحالات قلق أو خوف لا تظهر بوضوح، لكنها تحتاج إلى احتواء ومساندة.
لذا، تظل الواقعة الأخيرة رسالة مؤلمة تؤكد أن أبناءنا لا يحتاجون فقط إلى المتابعة الدراسية، بل إلى الأمان النفسي أيضًا. فالكلمة الهادئة، والدعم، والشعور بأن هناك من يفهم ويحتوي، قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من أي نصيحة أو عقاب.
فالنجاح الدراسي مهم، بلا شك…

لكن الأهم أن يظل أبناؤنا قادرين على مواجهة الحياة دون خوف من السقوط أو الشعور بأن خطأ واحد قد ينهي كل شيء.

باحثة دكتوراة الاعلام التربوي بجامعة عين شمس.

تم نسخ الرابط