مالي على حافة الانفجار.. تحالفات مسلحة جديدة تهدد بسقوط الدولة
تشهد مالي واحدة من أخطر مراحل الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، في ظل تصاعد العمليات المسلحة واتساع رقعة المواجهات بين الجيش والجماعات المتشددة والحركات الانفصالية، ما يضع الدولة أمام تحديات غير مسبوقة تهدد وحدتها واستقرارها.
ومع تراجع نفوذ الحكومة في عدة مناطق، تتزايد المخاوف من تحول الأزمة إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد تمتد تداعياتها إلى دول الجوار في غرب إفريقيا.
وخلال الأسبوعين الماضيين، ارتفعت وتيرة العنف بشكل لافت، بعدما شهدت البلاد هجمات منسقة نفذتها جماعات مسلحة وتحالفات انفصالية، استهدفت مواقع عسكرية ومراكز حيوية، في تطور اعتبره مراقبون نقطة تحول خطيرة في طبيعة النزاع.

الحكومة المالية ترفض التفاوض مع الجماعات المسلحة
وفي خضم هذا التصعيد، أعلن وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب، الجمعة، رفض الحكومة الدخول في أي حوار مع ما وصفها بـ"المجموعات المسلحة الإرهابية"، وذلك بعد أيام قليلة من هجمات غير مسبوقة استهدفت مواقع تابعة للمجلس العسكري الحاكم.
ويأتي هذا الموقف في وقت تواجه فيه السلطات الانتقالية ضغوطاً أمنية متزايدة، مع اتساع نفوذ الجماعات المسلحة وتراجع قدرة الدولة على فرض سيطرتها، خصوصاً في مناطق الشمال والوسط.
جذور الأزمة.. تمرد الطوارق يشعل الحرب
وترجع بداية الأزمة الحالية إلى عام 2012، عندما أطلقت حركات الطوارق تمرداً في شمال مالي للمطالبة بالاستقلال أو الحكم الذاتي في إقليم أزواد، وهو مطلب قديم ظل مطروحاً منذ تأسيس الدولة المالية.
لكن الفوضى التي أعقبت التمرد فتحت المجال أمام جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة للتوسع والسيطرة على مدن استراتيجية، من بينها تمبكتو وغاو، مستفيدة من الانهيار الأمني والانقسام السياسي الذي ضرب البلاد عقب الانقلاب العسكري في العام نفسه.
ومنذ ذلك الوقت، دخلت مالي في سلسلة من الاضطرابات والانقلابات العسكرية، كان أبرزها انقلابا 2020 و2021، ما أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتقليص قدرتها على إدارة الأزمة الأمنية المعقدة.
أطراف الصراع تتعدد.. والنفوذ الدولي يتمدد
ويتصدر الجيش المالي، الذي يدير البلاد عبر مجلس عسكري انتقالي منذ عام 2020، المواجهة ضد جماعات مسلحة على رأسها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب حركات الطوارق الانفصالية، وفي مقدمتها جبهة تحرير أزواد.
وفي المقابل، شهدت الساحة المالية تغيرات دولية لافتة بعد انسحاب القوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة، حيث برز الحضور الروسي عبر عناصر "فاغنر" أو ما يعرف بـ"الفيلق الإفريقي"، في محاولة لدعم الجيش المالي ومواجهة تمدد الجماعات المسلحة.
هذا التداخل بين القوى المحلية والإقليمية والدولية حوّل الأزمة إلى صراع معقد متعدد المستويات، تتشابك فيه الحسابات السياسية والأمنية والمصالح الخارجية.
هجمات أبريل 2026 تنقل الحرب إلى قلب السلطة
وبلغ التصعيد ذروته في أواخر أبريل 2026، عندما شنت جماعات مسلحة هجمات واسعة ومنسقة استهدفت مواقع عسكرية ومدناً رئيسية، من بينها العاصمة باماكو.
اللافت في هذه الهجمات كان التحالف غير المسبوق بين الجماعات المسلحة والانفصاليين الطوارق، في خطوة أعادت إلى الأذهان التفاهمات التي ظهرت مع بدايات الأزمة قبل أكثر من عقد.
وأسفرت الهجمات التي وقعت في 25 أبريل عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، إضافة إلى استهداف مراكز سيادية وحيوية، في مؤشر خطير على انتقال الصراع من الأطراف إلى قلب مؤسسات الحكم.
وقبل ذلك بأيام، تمكنت جبهة تحرير أزواد من السيطرة على مدينة كيدال الاستراتيجية بعد مواجهات عنيفة استمرت يومين ضد القوات المالية وعناصر الفيلق الإفريقي.
ويرى محللون أن هذه التطورات تعكس تحولاً كبيراً في طبيعة الحرب، بعدما تجاوز النزاع حدود المواجهات التقليدية ليصبح صراعاً مباشراً على السلطة والنفوذ داخل الدولة.
تراجع سيطرة الدولة واتساع نفوذ الجماعات المسلحة
ومع تصاعد العمليات العسكرية، تراجعت سيطرة الحكومة بشكل ملحوظ على مساحات واسعة من البلاد، خاصة في مناطق الشمال والوسط، حيث تمكنت الجماعات المسلحة من تعزيز نفوذها وفرض حضورها الميداني.
كما أدى انسحاب القوات الفرنسية والأممية إلى توسيع الفراغ الأمني، رغم الدعم الروسي المتزايد للجيش المالي، إلا أن ذلك لم ينجح حتى الآن في تحقيق استقرار فعلي أو احتواء التهديدات المتنامية.
كارثة إنسانية وأزمة اقتصادية خانقة
الحرب المتواصلة انعكست بشكل قاسٍ على الأوضاع الإنسانية، إذ تجاوز عدد النازحين داخلياً 1.8 مليون شخص، بينما يواجه نحو 3.5 مليون آخرين خطر انعدام الأمن الغذائي.
وتشهد قطاعات الصحة والتعليم انهياراً واسعاً في مناطق النزاع، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المالي من تراجع حاد نتيجة العقوبات والعزلة وتدهور الأوضاع الأمنية، ما يضاعف من معاناة السكان ويزيد من هشاشة الدولة.
مخاوف من امتداد الفوضى إلى غرب إفريقيا
ومع تعقد المشهد السياسي والعسكري، تبدو فرص الوصول إلى حل سياسي شاملة محدودة، خاصة في ظل استمرار الانقسامات العرقية وتعدد الأطراف المسلحة وفشل المقاربات العسكرية التقليدية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار الأزمة في مالي قد يحول البلاد إلى بؤرة مزمنة لعدم الاستقرار في غرب إفريقيا، خصوصاً مع تمدد الجماعات المسلحة إلى دول مجاورة مثل بوركينا فاسو والنيجر، ما يهدد أمن المنطقة بأكملها.



