رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

«نحن بنينا الأهرامات».. فيلم أمريكي يثير غضب المصريين ويشعل حربًا إعلامية

الاهرامات
الاهرامات

في مشهد لم تتجاوز مدته ثوانٍ معدودة، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي في مصر، بعدما تضمن أحد أفلام هوليوود عبارة اعتبرها كثيرون مساسًا برمزية الأهرامات وتاريخ بنائها الجملة التي وردت على لسان بطل فيلم أمريكي حديث أعادت إلى الواجهة جدلًا قديمًا حول هوية من شيدوا أحد أعظم منجزات الحضارة الإنسانية، وفتحت بابًا واسعًا للنقاش بين الجمهور والباحثين وخبراء الآثار.

الفيلم الذي يحمل عنوان «مارتي سوبريم» يروي قصة شاب أمريكي يسعى إلى اعتلاء قمة رياضة تنس الطاولة خلال أربعينيات القرن الماضي، في إطار درامي يمزج بين الطموح الشخصي والصراعات الأخلاقية، ويؤدي دور البطولة الممثل تيموثي شالاميه غير أن مشهدًا عابرًا يتعلق بزيارة البطل إلى مصر كان كافيًا لإثارة عاصفة من الجدل

المشهد المثير

خلال أحد المشاهد، يظهر البطل وهو يخاطب والدته بعد عودته من مصر، ليخبرها بأنه أحضر لها «قطعة من الأهرامات» وبينما يعرض القطعة، يردد عبارة: «نحن بنينا هذا»، في إشارة فهمها كثيرون على أنها تعني أن اليهود هم من شيدوا الأهرامات المصرية.

هذه الجملة، رغم ورودها في سياق درامي، اعتبرها متابعون تجاوزًا تاريخيًا، إذ رأوا فيها ترويجًا لرواية لا تستند إلى أدلة علمية، وتمثل إعادة إنتاج لادعاءات سبق تداولها في سياقات سياسية وإعلامية مثيرة للجدل

عودة مزاعم قديمة إلى الواجهة

العبارة أعادت إلى الأذهان مزاعم سبق أن ظهرت في بعض الكتابات والخطابات السياسية، تزعم أن بناة الأهرامات لم يكونوا المصريين القدماء، بل شعوبًا أخرى، من بينها العبرانيون تلك الطروحات لاقت على مدار عقود رفضًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية، واعتُبرت جزءًا من نظريات غير موثقة تاريخيًا.

ويشير متخصصون في علم المصريات إلى أن الربط بين الأهرامات وبني إسرائيل يستند غالبًا إلى تأويلات دينية أو سرديات شعبية، لا إلى أدلة أثرية أو وثائق تاريخية معتمدة. كما أن الفارق الزمني بين بناء الأهرامات الكبرى في الجيزة والعصور التي يُعتقد أن بني إسرائيل عاشوا فيها بمصر يجعل هذه المزاعم محل تشكيك علمي واسع.

الأدلة الأثرية تحسم الجدل

على الجانب الآخر، تؤكد الاكتشافات الأثرية التي تراكمت على مدار أكثر من قرن أن المصريين القدماء هم من شيدوا الأهرامات، خاصة أهرامات الجيزة التي تعود إلى عصر الدولة القديمة، وتحديدًا الأسرة الرابعة.

ومن أبرز الأدلة التي يستند إليها علماء الآثار اكتشاف مقابر العمال الذين شاركوا في البناء بالقرب من هضبة الجيزة هذه المقابر، التي عُثر عليها في تسعينيات القرن الماضي وما بعدها، تحتوي على بقايا عظمية وأدوات عمل ونقوش تشير إلى فرق منظمة من العمال المصريين كانوا يعملون في مشروع وطني ضخم تحت إشراف الدولة الفرعونية.

كما كشفت برديات وادي الجرف، التي عُثر عليها عام 2013، عن سجلات لعمليات نقل الأحجار عبر النيل إلى موقع بناء هرم خوفو، وتضمنت أسماء فرق العمل وإشارات واضحة إلى الإدارة المركزية للمشروع، ما يعزز الرواية العلمية حول تنظيم المصريين القدماء لعمليات البناء.

ويؤكد باحثون أن تلك الاكتشافات لا تترك مجالًا للشك بشأن هوية بناة الأهرامات، وأن أي روايات بديلة لا تستند إلى معايير البحث العلمي الحديث.

الأهرامات.. رمز حضاري يتجاوز الزمن

لا تمثل الأهرامات مجرد منشآت حجرية شاهقة، بل تعد رمزًا لهوية حضارية متجذرة في الوعي المصري والعالمي فهي شاهد على تطور علمي وهندسي مبكر، وعلى قدرة تنظيمية هائلة لمجتمع قديم استطاع تشييد صروح لا تزال قائمة بعد آلاف السنين.

ولهذا السبب، ينظر كثير من المصريين إلى أي محاولة لإعادة تفسير تاريخ بنائها خارج الإطار العلمي باعتبارها مساسًا بإرث حضاري يمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية.

تفاعل واسع وغضب على المنصات الرقمية

عقب تداول مقطع المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر عدد كبير من المستخدمين المصريين عن استيائهم، معتبرين أن العبارة تروج لمعلومة تاريخية غير دقيقة، وتمثل نوعًا من التزييف الثقافي.

وتنوعت ردود الفعل بين دعوات لمقاطعة الفيلم، ومطالبات بتوضيح رسمي من الشركة المنتجة، وتعليقات ساخرة تنتقد ما وصفه البعض بـ«السطحية التاريخية» في بعض الأعمال السينمائية الغربية عند تناولها لحضارات الشرق.

في المقابل، رأى آخرون أن المشهد قد يُفهم في إطار درامي أو ساخر، وأن الحكم عليه ينبغي أن يتم في سياق العمل الكامل، لا بمعزل عن حبكته وأبعاده الفنية.

الجدل الذي أثاره الفيلم يطرح تساؤلات أوسع حول حدود حرية الإبداع الفني، ومدى مسؤولية الأعمال السينمائية عند تناول موضوعات ذات حساسية تاريخية أو حضارية.

فبينما يملك صناع السينما حرية صياغة قصصهم وفق رؤاهم الفنية، يرى باحثون أن تناول حقائق تاريخية مثبتة ينبغي أن يتم بحذر، خاصة عندما يتعلق الأمر برموز كبرى مثل الأهرامات، التي لا تمثل فقط معلمًا أثريًا، بل جزءًا من الذاكرة الجماعية لشعب بأكمله.

 

تم نسخ الرابط