فوضى التدريب ودخان الحافلات.. هل ينجح القانون في إنقاذ الطريق وصحة الركاب؟
في وقت تتصاعد فيه التحديات المرورية والصحية على حد سواء، تتجه الدولة إلى إحكام قبضتها التنظيمية على مسارين متوازيين: الأول يتعلق بضبط منظومة تعليم القيادة ومنع العشوائية في تأهيل السائقين، والثاني يرتبط بمواجهة التدخين، خاصة داخل وسائل النقل الجماعي، لما يمثله من تهديد مباشر للصحة العامة بين نصوص قانونية صارمة وتحذيرات طبية متصاعدة، تتشكل معركة مزدوجة عنوانها الانضباط والوقاية.
مراكز تعليم القيادة تحت المجهر
في إطار جهود ضبط المنظومة المرورية، شدد قانون المرور على ضرورة حصول مراكز تعليم قيادة المركبات الآلية على ترخيص رسمي من الإدارة العامة للمرور، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لمزاولة النشاط ولم يكتفِ المشرّع بالتنبيه، بل أقر عقوبات بحق كل من ينشئ أو يدير مركزًا لتعليم القيادة دون الحصول على التصاريح اللازمة، في خطوة تستهدف مواجهة العشوائية وضمان جودة التدريب.
وتكمن أهمية هذا التشديد في أن مرحلة تعليم القيادة تمثل الأساس الذي يُبنى عليه سلوك السائق في الطريق. فالمراكز غير المرخصة غالبًا ما تفتقر إلى المعايير الفنية المطلوبة، سواء من حيث كفاءة المدربين أو جاهزية المركبات المستخدمة في التدريب، ما ينعكس سلبًا على مستوى التأهيل ويزيد من احتمالات وقوع الحوادث.
ويرى خبراء السلامة المرورية أن تنظيم عمل هذه المراكز يسهم في تخريج سائقين أكثر التزامًا بقواعد المرور، وأقدر على التعامل مع المواقف الطارئة، وهو ما ينعكس مباشرة على خفض معدلات الحوادث وتعزيز ثقافة الانضباط، خاصة في ظل الزيادة المطردة في أعداد المركبات وتكدس الطرق.
التدخين المبكر
بعيدًا عن الإطار المروري، تبرز قضية أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في انتشار التدخين بين الفئات العمرية الصغيرة فقد كشفت دراسات طبية واسعة النطاق أن بدء التدخين قبل سن العشرين يترك آثارًا صحية ممتدة قد تستمر لعقود، حتى في حال الإقلاع لاحقًا.
وتشير نتائج هذه الدراسات إلى أن التدخين المبكر يرتبط بارتفاع ملحوظ في خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية، إضافة إلى زيادة احتمالات الوفاة المبكرة مقارنة بغير المدخنين أو من بدأوا التدخين في سن متأخرة ويعزو الأطباء ذلك إلى أن الجسم في مراحل النمو يكون أكثر عرضة للتأثر بالمواد السامة الموجودة في التبغ، ما يؤدي إلى تغيّرات مبكرة في الأوعية الدموية ووظائف الرئة.
ويحذر أطباء القلب والصدر من أن التعرض المزمن للنيكوتين والمواد الكيميائية الأخرى خلال فترة المراهقة قد يسرّع من تصلب الشرايين، ويضعف كفاءة الجهاز التنفسي، ويزيد من احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة في سن مبكرة نسبيًا، ما يحوّل السيجارة الأولى إلى بداية مسار صحي محفوف بالمخاطر.
التدخين السلبي في المواصلات
داخل وسائل النقل الجماعي، لا يتوقف أثر التدخين عند حدود المدخن، بل يمتد إلى جميع الركاب في مساحة مغلقة يتشاركها العشرات الأطفال، وكبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة، جميعهم يصبحون عرضة لما يُعرف بالتدخين السلبي، الذي تؤكد الدراسات أنه يحمل مخاطر صحية جسيمة.
فالتعرض لدخان السجائر في الأماكن المغلقة يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، ويسبب تهيج العينين والحلق، وقد يؤدي إلى تفاقم أعراض الربو والحساسية كما تشير تقارير صحية دولية إلى أن التدخين السلبي مسؤول سنويًا عن مئات الآلاف من الوفيات حول العالم، ما يعزز من أهمية تجريمه داخل الأماكن العامة، وعلى رأسها وسائل المواصلات.
وتتجلى خطورة الموقف حين يُجبر غير المدخن على استنشاق الدخان دون إرادته، في انتهاك صريح لحقه في بيئة نظيفة وآمنة، وهو ما دفع المشرّع إلى إدراج التدخين داخل مركبات النقل الجماعي ضمن المخالفات التي تستوجب الغرامة.
رغم وضوح النصوص القانونية، يبقى التحدي الأبرز في ضمان التطبيق الفعلي على أرض الواقع. فالقوانين، مهما بلغت صرامتها، تحتاج إلى وعي مجتمعي يدعمها، وإلى آليات رقابية تضمن تنفيذها دون تهاون.
ويرى متخصصون في الشأن الاجتماعي أن الردع المالي وحده قد لا يكون كافيًا لاقتلاع الظاهرة، ما لم يصاحبه جهد توعوي مستمر يستهدف مختلف الفئات العمرية، خاصة الشباب فترسيخ ثقافة احترام القواعد، سواء في تعلم القيادة أو الامتناع عن التدخين في الأماكن العامة، يتطلب شراكة بين مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام والمدارس والجامعات.
كما يبرز دور سائقي المركبات ومشرفي النقل في منع التدخين داخل سياراتهم، والإبلاغ عن المخالفات، باعتبارهم في موقع المسؤولية المباشرة عن سلامة وراحة الركاب.