رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

جائزة تحمل اسم مانديلا.. تكريم عالمي يعكس صعود التجربة المصرية في تعزيز الصحة

نيلسون مانديلا
نيلسون مانديلا

حين أُطلقت جائزة نيلسون مانديلا لتعزيز الصحة عام 2019، لم تكن مجرد تكريم دوري يُمنح في مناسبة دولية، بل جاءت بوصفها رسالة رمزية عميقة في الذكرى المئوية الأولى لميلاد الزعيم الجنوب إفريقي الراحل.

 الاسم وحده كافٍ ليحمل دلالات تتجاوز حدود الطب والرعاية الصحية، إذ يرتبط مانديلا في الوجدان العالمي بالنضال من أجل الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمساواة.

ومن هذا المنطلق، صُممت الجائزة لتؤكد أن الصحة ليست ملفًا خدميًا فحسب، بل حق أصيل من حقوق الإنسان، وركيزة من ركائز العدالة الاجتماعية فتعزيز الصحة يعني إتاحة الفرصة لحياة كريمة، وتقليص الفوارق بين الفئات الاجتماعية، وتمكين المجتمعات من مواجهة التحديات بأدوات علمية ومؤسسية مستدامة.

معايير استثنائية.. أثر يتجاوز الحلول المؤقتة

لا تُمنح الجائزة بناءً على إنجاز عابر أو حملة موسمية، بل تشترط إسهامات ملموسة أحدثت أثرًا مستدامًا في تحسين صحة المجتمعات وهي بذلك تُكرّس مفهوم الاستدامة، وترفض الاكتفاء بالنتائج السريعة التي لا تصمد أمام الزمن.

المعايير التي تقوم عليها الجائزة تشمل الابتكار في السياسات الصحية، والقدرة على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وتطوير البنية التحتية للرعاية الصحية، إلى جانب بناء شراكات فعالة مع المؤسسات المحلية والدولية. 

ولهذا فإن الفوز بها لا يُعد إشادة ببرنامج محدد، بل اعترافًا بتجربة متكاملة ورؤية شاملة.

الصحة كأولوية وطنية.. الاستثمار في الإنسان أولًا

لم يكن التتويج ليتحقق دون تبني نهج يضع صحة المواطن في صدارة الأولويات الوطنية، فالاستثمار في القطاع الصحي لم يعد يُنظر إليه باعتباره بندًا في الموازنة العامة، بل خيارًا استراتيجيًا لبناء رأس مال بشري قادر على الإنتاج والمشاركة في التنمية.

توسيع مظلة التطعيمات، وإطلاق حملات قومية للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة، وتعزيز برامج الوقاية، كلها خطوات عكست تحولًا من التركيز على العلاج إلى ترسيخ ثقافة الوقاية.

كما أن المبادرات الصحية التي استهدفت الأمراض غير السارية، مثل السكري وأمراض القلب، أسهمت في خفض معدلات المضاعفات وتحسين جودة الحياة.

إلى جانب ذلك، جرى العمل على تطوير البنية التحتية الصحية، سواء من خلال إنشاء مستشفيات جديدة أو تحديث القائم منها، مع إدخال نظم رقمية لإدارة البيانات الصحية، ما عزز القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة.

بناء منظومة متكاملة

النجاح لم يكن وليد قرار إداري منفرد، بل نتاج منظومة متكاملة تشمل التوعية المجتمعية، وتدريب الكوادر الطبية، وتطوير نظم الرصد والمتابعة فرفع مستوى الوعي الصحي بين المواطنين أسهم في تغيير سلوكيات خطرة، بينما ساعد الاستثمار في تدريب الأطباء والتمريض على تحسين جودة الخدمات.

كما برزت أهمية تطوير قواعد البيانات الصحية، التي مكّنت صناع القرار من تتبع المؤشرات الوبائية والاستجابة السريعة لأي طارئ وقد أثبتت التجارب الحديثة أن وجود نظام صحي مرن وقادر على التحرك الفوري يشكل فارقًا حاسمًا في احتواء الأزمات.

لم يعد الإنجاز محليًا فحسب، بل بات يحمل بعدًا إقليميًا واضحًا. فالفوز بالجائزة يفتح المجال أمام تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية، سواء عبر تبادل الخبرات أو تقديم برامج تدريبية ودعم فني.

التجربة المصرية في برامج التحصين الموسعة ومكافحة الأمراض المعدية تُطرح اليوم كنموذج يمكن للدول ذات الموارد المحدودة الاستفادة منه، خاصة في ظل التحديات المشتركة التي تواجه القارة، من انتشار الأمراض الوبائية إلى ضعف البنية التحتية الصحية في بعض المناطق.

هذا الدور الإقليمي يعزز مكانة الدولة بوصفها شريكًا فاعلًا في دعم الأمن الصحي الإفريقي، ويؤكد أن الاستثمار المحلي يمكن أن يتحول إلى قوة تأثير خارج الحدود.

بين الفخر الداخلي والثقة الدولية

التتويج بجائزة تحمل اسم مانديلا لم يكن مجرد لحظة احتفالية، بل رسالة مزدوجة داخليًا، يعكس ثمار جهود سنوات من العمل في قطاع معقد ومتشعب وخارجيًا، يمثل شهادة ثقة دولية في قدرة الدولة على تحقيق معايير عالمية في الرعاية الصحية، رغم التحديات الاقتصادية والزيادة السكانية.

كما أن الاعتراف الدولي يعزز فرص الشراكة مع مؤسسات صحية عالمية، ويفتح الباب أمام مزيد من التعاون في مجالات البحث العلمي ونقل التكنولوجيا الطبية.

تم نسخ الرابط