علاء خليفة يكتب: الهيمنة الأمريكية.. إرهاب شرعي بلا محاسبة
خلف الشعارات اللامعة عن السلام وحقوق الإنسان، تمارس الولايات المتحدة إرهابًا منظمًا يفوق في خطورته أي إرهاب آخر، لأنه يُدار بقرارات رسمية ويُنفذ باسم الشرعية الدولية؛ فواشنطن التي تنصّب نفسها حارسًا للأمن العالمي، حوّلت هذا الشعار إلى غطاء لاحتلال الدول، ونهب ثرواتها، وإخضاع شعوبها بالقوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والابتزاز السياسي.
وتحت قيادة دونالد ترامب، خرج هذا الإرهاب من غرف السياسة المغلقة إلى العلن، في تصريحات لا تخجل من إعلان منطق القوة والسيطرة، وكأن العالم ساحة مفتوحة للمصالح الأمريكية، لا قوانين تحكمها ولا سيادة تُحترم.
هنا لا نتحدث عن أخطاء سياسية أو حسابات خاطئة، بل عن إرهاب دولة مكتمل الأركان، يرتدي ثوب السلام كذبًا، ويُشعل الحروب عمدًا، ويجعل من الفوضى وسيلة، ومن الدم طريقًا، ومن الهيمنة هدفًا لا يقبل التفاوض.
أحدث تصريحات ترامب كشفت بوضوح الذهنية الاستعمارية التي تحكم السياسة الأمريكية، حين قال إن «العالم لن يكون آمنًا دون سيطرة الولايات المتحدة على جزيرة جرينلاند»، ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل زعم أن حلف الناتو طالب الدنمارك مرارًا بإبعاد ما وصفه بـ«التهديد الروسي» عن جرينلاند، معتبرًا أن كوبنهاجن فشلت في أداء هذا الدور، وأن الوقت قد حان – حسب قوله – لتدخل واشنطن وفرض سيطرتها على الجزيرة، في تكرار فج لسياسة فرض الأمر الواقع بالقوة.
هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن تاريخ أمريكي طويل في تبرير الاحتلال والهيمنة تحت ذريعة الأمن، بينما الهدف الحقيقي هو السيطرة على الموارد والمواقع الاستراتيجية.
وقبل جرينلاند، كانت فنزويلا والعراق نموذجين صارخين لإرهاب الدولة الذي تمارسه واشنطن؛ ففي العراق، دُمرت دولة كاملة، وسُفكت دماء مئات الآلاف، تحت أكذوبة «أسلحة الدمار الشامل»، ليتضح لاحقًا أن النفط العراقي كان الهدف الأبرز، أما فنزويلا، فلم تسلم من الضغوط والعقوبات ومحاولات إسقاط الدولة، في واحدة من أوضح حالات الابتزاز السياسي والاقتصادي، طمعًا في النفط الفنزويلي، وفرض نظام موالٍ يخدم المصالح الأمريكية.
قائمة الدول التي لم تسلم من شر أمريكا تطول؛ من أفغانستان إلى ليبيا، ومن سوريا إلى اليمن، مرورًا بإيران وكوبا ونيكاراجوا، حيث العقوبات والحصار والتدخلات العسكرية أو غير المباشرة، جميعها أدوات تُستخدم لإخضاع الدول المستقلة وكسر إرادتها.
وفي الوقت الذي ترفع فيه واشنطن شعارات السلام والحريات، تكشف ممارساتها أنها التهديد الأول للسلام العالمي؛ فلا سلام يولد من فوهات البنادق، ولا حرية تُفرض عبر الحصار والتجويع، ولا ديمقراطية تُصدَّر على متن الطائرات الحربية.
ويظهر هذا التناقض بوضوح في إعلان البيت الأبيض، يوم الجمعة الماضي، أسماء أعضاء مجلس السلام الذي يترأسه ترامب، والمكلف بالإشراف على عملية إعادة إعمار قطاع غزة، وتعيين رئيس لجنة تكنوقراط لإدارة الشؤون اليومية في القطاع؛ فكيف لمن يدعم العدوان ويغض الطرف عن الجرائم، أن يتحدث عن سلام أو إعادة إعمار؟!
ولعل أحد أكثر أوجه الإرهاب الأمريكي بجاحة، هو ما أعلنه ترامب بنفسه عن حصوله على مليارات الدولارات من دول الخليج، في صفقات أقل ما يمكن أن تُوصف به أنها «إتاوة سياسية»، يدفعها العرب مقابل الحماية الأمريكية المزعومة.
ترامب لم يُخفِ هذه الحقيقة، بل تفاخر بها، كاشفًا طبيعة العلاقة التي تراها واشنطن؛ دول تدفع، وأمريكا تحكم وتأمر، في نموذج يعكس منطق «فتوة العالم» الذي يفرض سطوته على الدول الأضعف.
وما بين جرينلاند والعراق وفنزويلا وغزة، تتكشف حقيقة واحدة وهي أن الولايات المتحدة، بقيادة ترامب، لا تسعى إلى سلام ولا تؤمن بالحريات، بل تمارس إرهابًا منظمًا باسم القوة، وتضع العالم كله تحت تهديد دائم؛ إنها سياسة تقوم على الطمع والهيمنة، وتعيد إلى الأذهان أسوأ فصول الاستعمار، لكن بوجه أمريكي معاصر وشعارات كاذبة.