رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الذكاء الاصطناعي.. هل يقود الذكاء الاقتصاد العالمي إلى الازدهار أم إلى انهيار جديد؟

ذكاء اصطناعي
ذكاء اصطناعي

في وقت يتسارع فيه إيقاع التطور التكنولوجي بشكل غير مسبوق، أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا موسعًا يتناول واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الاقتصاد العالمي المعاصر، وهي ما يُعرف بـ«فقاعة الذكاء الاصطناعي».
تحليل لم يكتفِ بطرح المفهوم في صورته النظرية، بل غاص في جذوره التاريخية، وقارن بينه وبين الفقاعات الاستثمارية الكبرى التي عصفت بالاقتصاد العالمي عبر العقود، مع تفكيك دقيق للأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية المرتبطة بالطفرة الحالية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل هذا القطاع شديد الحساسية.

من التفاؤل المفرط إلى مخاوف الانفجار

يشير التحليل إلى أن العالم يعيش اليوم طفرة غير مسبوقة في تطوير وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بدءًا من الصناعة والتمويل، مرورًا بالتعليم والصحة، وصولًا إلى الإعلام والخدمات الحكومية. هذه الطفرة رفعت سقف التوقعات إلى مستويات قياسية، ودفعت رؤوس الأموال إلى التدفق بكثافة نحو هذا القطاع، ما أعاد إلى الأذهان مشاهد سابقة من التاريخ الاقتصادي ارتبطت بفقاعات استثمارية انتهت بانفجارات مؤلمة.

ويُعرّف التحليل «فقاعة الذكاء الاصطناعي» بأنها حالة تتضخم فيها الاستثمارات بوتيرة تتجاوز القيمة الاقتصادية الفعلية للتكنولوجيا، مدفوعة بالمضاربة والتفاؤل والرهان على المستقبل، أكثر من اعتمادها على عوائد حالية ملموسة ففي كثير من الحالات، تضخ الشركات مليارات الدولارات في بناء مراكز بيانات عملاقة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وإنتاج أشباه الموصلات المتقدمة، رغم أن الإيرادات المباشرة لهذه التقنيات لا تزال أقل بكثير من حجم الإنفاق.

دروس التاريخ الاقتصادي

يعيد التحليل التذكير بأن ظاهرة الفقاعات الاستثمارية ليست جديدة على الاقتصاد العالمي، بل تكررت بأشكال مختلفة عبر التاريخ من فقاعة سوق الأسهم في عشرينيات القرن الماضي، التي مهدت للكساد الكبير عام 1929، إلى فقاعة «الدوت كوم» في أواخر التسعينيات وبداية الألفية، حيث اندفع المستثمرون لضخ أموال هائلة في شركات الإنترنت الناشئة رغم غياب نماذج أعمال مربحة لدى معظمها.

فقاعة الدوت كوم، التي امتدت بين عامي 1995 و2001، مثّلت نموذجًا كلاسيكيًا للمضاربة غير العقلانية، إذ ارتفعت تقييمات شركات التكنولوجيا إلى مستويات فلكية بناءً على وعود مستقبلية، قبل أن تنهار آلاف الشركات وتتكبد الأسواق خسائر ضخمة. ثم جاءت أزمة الرهن العقاري العالمية عام 2008 لتؤكد أن المبالغة في التقييمات وتدفق رؤوس الأموال دون أسس حقيقية غالبًا ما ينتهي بتصحيحات قاسية.

واليوم، يرى التحليل أن قطاع الذكاء الاصطناعي يسير على مسار يحمل أوجه شبه مقلقة مع فقاعة الدوت كوم، حيث يتصاعد التفاؤل بشأن قدرته على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، في وقت ترتفع فيه تقييمات الشركات العاملة في هذا المجال واستثمارات رأس المال المغامر إلى مستويات قد لا تعكس الواقع الإنتاجي الحالي.

الاستثمارات تحت المجهر

على الصعيد الاقتصادي، يسلط التحليل الضوء على الطفرة الهائلة في الاستثمارات الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ عام 2022 مع الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. مليارات الدولارات تدفقت إلى شركات كبرى مثل NVIDIA وOpenAI وGoogle وMicrosoft، التي أصبحت في صدارة المشهد العالمي بفضل الطلب المتزايد على الحوسبة عالية الأداء والمعالجات المتخصصة.

ووفقًا لتقارير دولية، بلغ حجم الاستثمارات المؤسسية العالمية في تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال عام 2024 نحو 252 مليار دولار، بمعدل نمو سنوي يقارب 26%. إلا أن هذا النمو السريع أثار مخاوف متزايدة بين الخبراء، الذين يرون أن وتيرة التمويل قد تفوق بكثير العوائد الاقتصادية الفعلية، ما يرفع احتمالات تشكل فقاعة استثمارية جديدة.

كما يكشف التحليل عن تطور الخطاب العام حول الذكاء الاصطناعي بين عامي 2023 و2025، حيث مر بثلاث مراحل: تفاؤل مفرط، ثم تقييم حذر، وصولًا إلى ذروة القلق مع تزايد الحديث عن «تصحيح مسار الذكاء الاصطناعي» مطلع عام 2025، وهو ما يعكس حالة من عدم اليقين بشأن استدامة هذه الطفرة.

من الزوايا التي يوليها التحليل اهتمامًا خاصًا، البعد البيئي المرتبط بتوسع الذكاء الاصطناعي، وهو جانب غالبًا ما يتم تجاهله في خضم الحماس التكنولوجي. فالتشغيل المكثف لتطبيقات الذكاء الاصطناعي يعتمد على مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الطاقة الكهربائية، سواء لتشغيل الخوادم أو تبريدها.

ويثير هذا الواقع تساؤلات جدية حول مدى توافق توسع الذكاء الاصطناعي مع أهداف التنمية المستدامة، خاصة في ظل سعي العديد من الدول إلى خفض الانبعاثات الكربونية فبينما تتجه الاقتصادات العالمية نحو الطاقة النظيفة، تأتي موجة الذكاء الاصطناعي لتفرض ضغطًا إضافيًا على شبكات الطاقة، لا سيما في الدول التي تعتمد على الوقود الأحفوري.

وفي مواجهة هذه التحديات، بدأت بعض الدول الأوروبية في دراسة أطر تنظيمية بيئية خاصة بالذكاء الاصطناعي، كما شرعت شركات التكنولوجيا الكبرى في تبني استراتيجيات «الذكاء الاصطناعي الأخضر». ومع ذلك، يظل التساؤل قائمًا حول قدرة هذا القطاع على الاستمرار دون أن يتحول إلى عبء بيئي جديد.

سوق العمل في مهب التحولات الرقمية

لا يقل تأثير فقاعة الذكاء الاصطناعي المحتملة خطورة على سوق العمل فبينما تسهم الاستثمارات الحالية في خلق وظائف جديدة في مجالات البرمجة وتحليل البيانات، فإن الأتمتة المتزايدة تهدد على المدى الطويل وظائف تقليدية في قطاعات واسعة، مثل الخدمات المالية والنقل والتعليم.

ويرى التحليل أن هذا التحول قد يؤدي إلى اتساع فجوة الدخل وزيادة عدم المساواة، ما لم يتم التعامل معه بسياسات تعليمية وتدريبية تستهدف تنمية المهارات الرقمية والإبداعية، وتؤهل القوى العاملة للتكيف مع متطلبات الاقتصاد الجديد.

الدول النامية بين الفرص والمخاطر

يمتد تأثير فقاعة الذكاء الاصطناعي المحتملة إلى الاقتصادات النامية، التي قد تجد في هذه الطفرة فرصة لتسريع التحول الرقمي وجذب الاستثمارات، لكنها في الوقت نفسه أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية ففي حال انفجار الفقاعة، قد تتراجع الاستثمارات الأجنبية وتتأثر المشروعات التكنولوجية الناشئة، ما يبطئ مسار التنمية الرقمية.

 

تم نسخ الرابط