فرنسا ترفض وكندا تتحفّظ.. جدل دولي واسع حول «مجلس السلام» الذي اقترحه ترامب
مبادرة سياسية جديدة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أشعلت موجة من الجدل الدبلوماسي، بعد أن قوبلت برفض فرنسي صريح وتحفّظ كندي واضح.
مشروع «مجلس السلام»، الذي طُرح باعتباره منصة دولية لمعالجة النزاعات، فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول شرعيته، وأهدافه الحقيقية، ومدى انسجامه مع مبادئ النظام الدولي القائم، خاصة مع ربط العضوية الدائمة بدفع مبالغ مالية ضخمة.
موقف فرنسي حاسم وتحفّظ على الميثاق
فرنسا حسمت موقفها مبكراً من المبادرة الأميركية. أوساط مقربة من الرئيس إيمانويل ماكرون أكدت أن باريس «لا تعتزم في هذه المرحلة تلبية» دعوة الانضمام إلى «مجلس السلام».
هذا الموقف، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية، يستند إلى مخاوف عميقة تتعلق بطبيعة الميثاق المقترح، والذي رأت فيه باريس تجاوزاً للإطار المتوقع.
رؤية الإليزيه أشارت إلى أن ميثاق المجلس لا يقتصر على ملف غزة كما كان يُعتقد في البداية، بل يتعداه ليشمل قضايا وصراعات أخرى، ما يطرح إشكاليات سياسية وقانونية أوسع.
باريس شددت على أن المبادرة تثير «تساؤلات جوهرية»، خاصة في ما يتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة، التي اعتبرتها ركناً لا يمكن التشكيك فيه أو تجاوزه بأي صيغة بديلة.
كندا ترفض الدفع وتغلق الباب
الموقف الكندي جاء أكثر وضوحاً من الناحية المالية، مصدر حكومي كندي أكد لوكالة الأنباء الفرنسية أن أوتاوا «لن تدفع» أي مبلغ لقاء الانضمام إلى المجلس المقترح.
هذا التصريح يعكس رفضاً ضمنياً للآلية التي طرحها ترامب، والتي تربط العضوية الدائمة بدفع مليار دولار، ما أثار انتقادات واسعة واعتُبر من قبل مراقبين محاولة لتحويل المبادرة السياسية إلى نادٍ مغلق قائم على القدرة المالية.
دعوة واسعة وعضوية مشروطة
الرئيس الأميركي دونالد ترامب وجّه دعوات إلى نحو 60 دولة للانضمام إلى «مجلس السلام»، في خطوة بدت طموحة من حيث العدد، لكنها مثيرة للجدل من حيث الشروط.
الخطة المعلنة تنص على أن العضوية الدائمة ستكون متاحة فقط للدول التي تدفع مليار دولار، ما يخلق تمييزاً واضحاً بين الأعضاء، ويطرح أسئلة حول مبدأ المساواة بين الدول.
هذا الشرط المالي اعتبره دبلوماسيون مساساً بروح العمل الدولي الجماعي، خاصة أن المبادرة لا تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، ولا تخضع لآلياتها التقليدية المعروفة.
شخصيات بارزة على قائمة الأعضاء
الرئاسة الأميركية كشفت عن قائمة أولية تضم شخصيات سياسية واقتصادية بارزة ستشارك في المجلس.
القائمة تضم الرئيس دونالد ترامب نفسه، إلى جانب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، وصهر ترامب والوسيط الدولي جاريد كوشنر.
الدعوات شملت أيضاً أسماء دولية معروفة، مثل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والملياردير الأميركي مارك روان، ورئيس البنك الدولي أجاي بانجا، إضافة إلى مستشار ترامب روبرت جابرييل.
هذه التشكيلة المتنوعة عكست طابعاً سياسياً واقتصادياً مختلطاً للمجلس، ما زاد من الجدل حول طبيعته وأهدافه.
رئاسة مدى الحياة وتوسيع الصلاحيات
وثائق اطلعت عليها وكالة «رويترز»، شملت نسخة من رسالة الدعوة ومسودة الميثاق، كشفت تفاصيل أكثر إثارة.
الوثائق أوضحت أن دونالد ترامب سيترأس «مجلس السلام» مدى الحياة، وهي نقطة أثارت انتقادات واسعة في الأوساط السياسية والدبلوماسية.
الميثاق ينص على أن المجلس سيبدأ عمله بملف غزة، قبل أن يوسّع نطاق اهتمامه ليشمل نزاعات أخرى حول العالم.
هذا التوسّع المحتمل عزز مخاوف دول عدة من أن يتحول المجلس إلى كيان موازٍ للمؤسسات الدولية القائمة، بصلاحيات غير محددة المعالم.
انقسام دولي ومستقبل غامض
المواقف الفرنسية والكندية كشفت مبكراً حجم الانقسام الدولي حول مبادرة ترامب.
المشروع، الذي قُدّم على أنه خطوة نحو السلام، يواجه تشكيكاً متزايداً في شرعيته، وآليات عمله، وانسجامه مع النظام الدولي.
مستقبل «مجلس السلام» بات معلقاً على قدرة واشنطن على إقناع الدول المترددة، وسط مخاوف من أن يتحول إلى عنوان جديد للخلاف بدل أن يكون منصة للحلول.



