فاروق حسني يشعل الجدل: «نُنتج أجيالًا بلا خيال» ومصر في مواجهة أخطر أزماتها الثقافية
في شهادة ثقافية لافتة تحمل قدرًا كبيرًا من القلق على مستقبل الإبداع في مصر، أطلق الفنان التشكيلي الكبير ووزير الثقافة الأسبق فاروق حسني تحذيرًا صريحًا من حالة التراجع التي يعيشها المشهد الثقافي المصري، مؤكدًا أن الأجيال الحديثة تعاني ما وصفه بـ«فقر إبداعي حاد»، وأن الأزمة أعمق بكثير من كونها صراعًا بين الحرية والرقابة، أو نتاجًا لمناخ سياسي أو اجتماعي معين، بل هي أزمة بنيوية متراكمة تضرب جذور العملية الثقافية من الأساس.
حديث فاروق حسني، الذي جاء خلال لقائه مع الإعلامي حمدي رزق في برنامج «نظرة» المذاع على قناة صدى البلد، لم يكن مجرد تقييم عابر أو انطباع شخصي، بل قراءة شاملة لتاريخ طويل من الإهمال الثقافي، ودعوة صريحة لإعادة بناء المشروع الثقافي المصري على أسس جديدة، تبدأ من الطفولة ولا تنتهي عند مؤسسات الدولة.
المشهد الثقافي الراهن.. تراجع بلا مبدعين
يرى فاروق حسني أن المشهد الثقافي الحالي في مصر يعاني حالة من الضعف غير المسبوق، ليس بسبب القيود المفروضة على حرية التعبير كما يروج البعض، ولا بسبب الرقابة أو الخوف من الصدام، وإنما بسبب غياب المبدعين الحقيقيين القادرين على إنتاج ثقافة مؤثرة، وصناعة تيار فني وفكري يعبر عن المجتمع ويقوده إلى الأمام.
ويؤكد الوزير الأسبق أن الثقافة لا تُخلق بقرارات إدارية، ولا تُفرض من أعلى، بل تُصنع عبر مبدعين يمتلكون أدواتهم، ورؤية واضحة، وتجربة إنسانية عميقة، وهو ما يفتقده المشهد الحالي إلى حد كبير، الأمر الذي أدى إلى حالة من الركود والفراغ الإبداعي.
هل المشكلة في الحرية؟ قراءة مغايرة للأزمة
على عكس الطروحات الشائعة التي تربط تراجع الإبداع بغياب الحرية أو الخوف من الرقابة، قدم فاروق حسني قراءة مغايرة، معتبرًا أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب الكوادر الثقافية المؤهلة، وليس في المناخ العام.
وأشار إلى أن الحديث المتكرر عن الرقابة أصبح شماعة جاهزة لتبرير ضعف المنتج الثقافي، في حين أن الإبداع الحقيقي قادر دائمًا على إيجاد مساراته، حتى في أصعب الظروف، إذا توفرت الموهبة والرؤية والقدرة على التعبير.
من الطفولة تبدأ الأزمة: التعليم في قفص الاتهام
أعاد فاروق حسني جذور الأزمة إلى مرحلة الطفولة والتعليم المدرسي، معتبرًا أن غياب التربية الثقافية والفنية منذ الصغر هو السبب الرئيسي في ضعف التكوين الإبداعي لدى الأجيال الجديدة.
وأوضح أن المدارس لم تعد تقوم بدورها في تنمية الحس الجمالي، أو تشجيع التفكير الحر، أو اكتشاف المواهب الفنية، بل تحولت إلى مؤسسات تلقين وحفظ، تقتل الخيال بدلًا من أن تطلقه.
وشدد على أن بناء إنسان مبدع يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل الجاد، تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند الجامعة، مؤكدًا أن «تربية شعب كامل على الإبداع تحتاج جهدًا مهولًا، ولا تُبنى بالشعارات، بل بالفعل والعمل المتواصل».
الفقر الإبداعي.. نتيجة طبيعية لتراكم الإهمال
وصف فاروق حسني ما تمر به الساحة الثقافية اليوم بأنه «فقر إبداعي»، معتبرًا أنه نتيجة طبيعية لتراكم سنوات طويلة من الإهمال الثقافي، وغياب الرؤية، وضعف الاستثمار في الإنسان باعتباره جوهر أي مشروع حضاري.
وأشار إلى أن هذا الفقر لا يقتصر على مجال بعينه، بل يمتد إلى الفنون التشكيلية، والمسرح، والسينما، والموسيقى، وحتى الخطاب الثقافي العام، الذي فقد قدرته على التأثير وصناعة الوعي.
مشروع ثقافي شامل.. ضرورة وطنية لا رفاهية
أمام هذا الواقع، دعا وزير الثقافة الأسبق إلى إطلاق مشروع ثقافي ضخم تتبناه الدولة بشكل كامل، لا باعتباره نشاطًا هامشيًا أو ترفًا فكريًا، بل باعتباره ضرورة وطنية تمس الأمن الثقافي والهوية المصرية.
وأكد أن هذا المشروع يجب أن يكون له غطاء سياسي واضح، وأن يتولى رعايته رئيس الجمهورية بنفسه، بما يضمن استمراريته، وتكامل أدواره، وعدم تحوله إلى مبادرة مؤقتة أو شعار بلا مضمون.
استعادة الهوية المصرية وإعادة ترتيب المشهد
يرى فاروق حسني أن الهدف الأساسي من المشروع الثقافي المنشود هو استعادة ملامح وهوية الثقافة المصرية، التي تعرضت للتشويه والتراجع على مدار عقود، وإعادة ترتيب المشهد الثقافي بما يتيح الفرصة لظهور أجيال جديدة من المبدعين الحقيقيين.