رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

انفجار بلازمي على سطح الشمس.. ناسا توثق لحظة كونية تهز أسرار نجم الحياة

انفجار شمسي
انفجار شمسي

في أواخر عام 2024، التقط علماء وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» مشهدًا فلكيًا نادرًا وصفوه بـ«اللحظة الثورية» في فهم سلوك الشمس، بعد أن نجح مرصد ديناميكيات الشمس (SDO) في توثيق انفجار شمسي هائل لم يُسجَّل له مثيل بهذه الدقة من قبل.

الحدث، الذي بدا أشبه بانفجار كوني مذهل، لم يكن مجرد ومضة عابرة على سطح نجمنا الأقرب، بل نافذة علمية واسعة كشفت عن واحدة من أعنف العمليات الفيزيائية التي تحدث في قلب النظام الشمسي، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الشمس وتأثيرها المباشر على كوكب الأرض

مرصد لا ينام.. عين ناسا الدائمة على الشمس

يُعد مرصد ديناميكيات الشمس أحد أهم المشاريع العلمية التي أطلقتها ناسا لدراسة الشمس بشكل متواصل، حيث يدور القمر الصناعي حول الأرض مراقبًا النشاط الشمسي على مدار الساعة دون انقطاع.

ويمتلك المرصد منظومة تصوير فائقة التطور تلتقط صورًا عالية الدقة عبر عدة أطوال موجية، خصوصًا في نطاق الأشعة فوق البنفسجية الشديدة، ما يسمح للعلماء برصد أدق التغيرات التي تطرأ على سطح الشمس وغلافها الجوي.

هذا الرصد المستمر مكّن العلماء من توثيق اللحظة التي اندفع فيها عمود بلازما هائل من سطح الشمس إلى الفضاء، في مشهد لم يكن ممكنًا توثيقه بهذه التفاصيل قبل سنوات قليلة.

انفجار شمسي يفوق الخيال.. عمود بلازما بحجم عدة كواكب

أظهر الفيديو الذي بثّته ناسا اندفاع عمود عملاق من البلازما الشمسية، وهي غازات شديدة السخونة ومؤينة تحمل جسيمات مشحونة وإلكترونات حرة.
ووفق التقديرات العلمية، فإن حجم هذا العمود الهائل كان كافيًا لاحتواء عدة كواكب بحجم الأرض داخل بنيته، ما يعكس الطاقة المرعبة التي أطلقها الانفجار الشمسي في لحظات معدودة.

العمود ارتفع فجأة من سطح الشمس، مخترقًا طبقات الغلاف الجوي الشمسي، قبل أن يمتد بعيدًا في الفضاء، في مشهد يوضح كيف يمكن للشمس أن تطلق في ثوانٍ طاقة تعادل مليارات القنابل النووية مجتمعة.

ألوان لا تُرى بالعين المجردة.. مفاتيح فهم حرارة الشمس

اعتمد الفيديو المذهل على دمج ثلاث صور ملتقطة في نطاق الأشعة فوق البنفسجية الشديدة، وهي أطوال موجية لا يمكن للعين البشرية رؤيتها، لكنها تمثل كنزًا علميًا لفهم درجات الحرارة المختلفة داخل البلازما الشمسية.

اللون الأحمر كشف عن المواد الأبرد والأكثر كثافة، وهي بلازما صاعدة من الطبقات السفلى للغلاف الجوي للشمس، وتحديدًا من طبقة الكروموسفير، التي تُعد أكثر برودة نسبيًا مقارنة بالهالة الخارجية.

اللون الأصفر أظهر الحلقات الإكليلية فائقة السخونة، وهي هياكل مغناطيسية هائلة تصل درجات حرارتها إلى ملايين الدرجات المئوية، وتمتد بعيدًا في الفضاء كألسنة نارية عملاقة.


هذا الترميز اللوني لم يكن جماليًا فقط، بل أداة تحليلية دقيقة سمحت للعلماء بتتبع حركة البلازما وفهم التفاعلات الحرارية والمغناطيسية التي تقود هذه الانفجارات.

الفوضى المنظمة.. كيف تعيد الشمس ترتيب مجالها المغناطيسي؟

مع اندفاع البلازما الهائلة إلى الخارج، شهدت الحقول المغناطيسية للشمس عملية إعادة تنظيم عنيفة وسريعة.
هذه العملية، المعروفة علميًا باسم إعادة الاتصال المغناطيسي، تُعد إحدى أكثر الظواهر تعقيدًا في فيزياء الشمس، حيث تنكسر خطوط المجال المغناطيسي وتُعاد صياغتها بطريقة تطلق كميات هائلة من الطاقة.

ويؤكد العلماء أن هذه الآلية تمثل وسيلة طبيعية تحافظ بها الشمس على توازنها الداخلي بعد الانفجارات العنيفة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن الطبيعة الديناميكية المتغيرة لنجم يبدو للوهلة الأولى ثابتًا ومستقرًا.

من قلب الشمس إلى الأرض.. تأثيرات لا يمكن تجاهلها

لا يقتصر هذا الحدث على كونه مشهدًا علميًا مبهرًا، بل يحمل أبعادًا عملية تمس الحياة اليومية على كوكب الأرض.
فالانفجارات الشمسية من هذا النوع يمكن أن تطلق عواصف شمسية تؤثر بشكل مباشر على:

الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة الفضائية

الاتصالات اللاسلكية وشبكات البث

أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS)

شبكات الكهرباء والطاقة، خاصة في المناطق ذات خطوط العرض المرتفعة


ولهذا السبب، تؤكد ناسا أن متابعة النشاط الشمسي لم تعد رفاهية علمية، بل ضرورة استراتيجية لحماية البنية التحتية التكنولوجية الحديثة.

مشهد بصري وعلمي نادر.. الشمس كما لم نرها من قبل

ما بين الجمال البصري المذهل والدلالات العلمية العميقة، شكّل هذا الرصد لحظة فارقة في دراسة الشمس.

فقد أتاح للعلماء والجمهور على حد سواء فرصة مشاهدة عرض كوني يفوق الخيال، ويذكّر بأن النجم الذي يمنح الأرض الضوء والحياة، يخفي في داخله قوة هائلة لا تزال البشرية تسعى لفهمها والسيطرة على آثارها.

تم نسخ الرابط