محللة إيرانية لـ«تفصيلة»: احتجاجات إيران دخلت مرحلة كسر الشرعية والنظام يواجه أخطر اختبار في تاريخه
رؤية من الداخل تضع المشهد الإيراني تحت المجهر، بعيدًا عن البيانات الرسمية والروايات المعلبة.
في حوار خاص مع موقع «تفصيلة»، تفتح الصحفية والمحللة السياسية الإيرانية هدي الكريمي ملف الاحتجاجات المستمرة في إيران، كاشفة أبعادها السياسية والإنسانية، وطبيعة رد فعل السلطة، وحدود المواقف الدولية، في لحظة وصفتها بأنها مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
كيف بدأت الاحتجاجات ولماذا تغيّر مسارها؟
قالت هدي الكريمي إن انطلاق الاحتجاجات جاء نتيجة تراكمات اقتصادية خانقة وسقوط غير مسبوق في مستوى المعيشة، إلا أن المسار تغيّر سريعًا.
حركة الشارع، وفق توصيفها، تجاوزت المطالب المعيشية خلال أيام قليلة، واتجهت نحو التشكيك في شرعية النظام ذاته.
هذا التحول السياسي العميق، بحسب الكريمي، يفسر مستوى العنف المستخدم حاليًا، ويكشف حجم القلق داخل دوائر الحكم.
لماذا اختارت السلطة الحل الأمني الكامل
وأوضحت الكريمي أن اتساع رقعة الاحتجاجات ووصولها إلى عشرات المدن دفع السلطة إلى تفعيل الخيار الأمني دون أي اعتبارات سياسية.
قرار قطع الإنترنت، في تقديرها، لم يكن إجراءً تقنيًا أو مؤقتًا، بل سياسة قمعية مدروسة.
تعطيل الاتصالات استهدف منع توثيق الانتهاكات، وكسر التواصل بين المحتجين، وعزل الداخل الإيراني عن العالم الخارجي.
ماذا يحدث على الأرض بعيدًا عن الرواية الرسمية؟
وأكدت الكريمي أن المشهد الميداني أكثر قسوة مما تعلنه السلطات، استخدام الرصاص الحي، والاعتقالات الجماعية، واقتحام الأحياء السكنية والمستشفيات بات سلوكًا ممنهجًا.
تقارير حقوقية ومصادر ميدانية تشير إلى ارتفاع كبير في أعداد القتلى، مع استحالة التحقق من الأرقام الدقيقة بسبب التعتيم الإعلامي الكامل.
الضحايا، بحسب الكريمي، لا يقتصرون على المشاركين في الاحتجاجات، بل يشملون مدنيين عابرين.
خطاب رسمي مرتبك ورسائل متناقضة
وأضافت الكريمي أن الخطاب الرسمي داخل إيران يعكس حالة ارتباك واضحة.
تصريحات تتحدث عن «السيطرة الكاملة» تتزامن مع تهديدات علنية بمحاكمات قاسية وأحكام إعدام بحق المعتقلين.
هذا التناقض، من وجهة نظرها، يكشف هشاشة الوضع الأمني، ويؤكد أن السلطة لا تشعر بالاطمئنان الذي تحاول تسويقه.
المواقف الدولية.. لماذا بقيت في إطار الكلام؟
وأشارت الكريمي إلى صدور بيانات إدانة وقلق من الأمم المتحدة ودول غربية عدة، مع دعوات لوقف العنف واحترام حقوق الإنسان.
غير أن هذه المواقف، بحسب توصيفها، لم تتجاوز السقف اللفظي.
غياب الضغط السياسي الحقيقي منح النظام مساحة للمراهنة على الوقت، وعلى تراجع الاهتمام الدولي مع استمرار إغلاق المجال الإعلامي.
تصعيد طهران… قوة أم محاولة ردع؟
وأفادت الكريمي أن الأسابيع الأخيرة شهدت تصعيدًا في خطاب طهران، مع تحذيرات من «التدخل الخارجي» وتلميحات بخيارات أمنية وعسكرية أوسع.
هذا الخطاب، في تحليلها، لا يعكس قوة بقدر ما يعكس محاولة ردع سياسية لمنع انتقال الدعم الدولي من البيانات إلى خطوات عملية.
أزمة شرعية لا احتجاج عابر
وأكدت الكريمي أن ما يجري حاليًا يمثل أزمة شرعية مكتملة الأركان.
نظام يقطع الإنترنت عن شعبه، ويعتمد على القوة المميتة على نطاق واسع، يكون قد فقد أدوات الإقناع السياسي.
هذه المرحلة، كما تقول، شديدة الخطورة، لأن كلفة الاستمرار فيها مرتفعة داخليًا ودوليًا، ولا تفتح أي أفق للحل.
مطالب الشارع وحدود خيارات النظام
وأوضحت أن الشارع الإيراني تجاوز مرحلة الإصلاحات الجزئية والوعود الاقتصادية.
المطالب الحالية تقوم على رفض شامل لمنظومة الحكم. في المقابل، لا يمتلك النظام مسارًا سياسيًا واضحًا للخروج من الأزمة، سوى تعميق العنف، وهو خيار يحمل مخاطر انفجارية.
الخلاصة ورسالة إلى المجتمع الدولي
واختتمت هدي الكريمي حوارها بالتأكيد على أن ما يحدث في إيران لم يعد شأنًا داخليًا.
قطع الاتصالات، وقتل المدنيين، وإغلاق كل قنوات التعبير السلمي، يجعل القضية قضية حقوق إنسان دولية بامتياز.
استمرار الصمت، أو الاكتفاء بالبيانات، يعني عمليًا منح الضوء الأخضر لمزيد من القمع. اللحظة الحالية، وفق تعبيرها، اختبار حقيقي للمجتمع الدولي بين ضغط فعلي يغيّر المعادلة، أو تكرار سيناريوهات مأساوية طُمست سابقًا تحت ركام الصمت.



