رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

شيخ الأزهر: إبادة غزة تفضح انهيار الردع الأخلاقي في النظام العالمي

شيخ الأزهر
شيخ الأزهر

في توقيت بالغ الحساسية، وفي ظل تصاعد الأزمات الدولية وتفاقم الصراعات المسلحة، استقبل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، اليوم الثلاثاء، بمقر مشيخة الأزهر، السفير فيم جيرتس، السفير الهولندي لحقوق الإنسان، في لقاء حمل أبعادًا سياسية وأخلاقية وإنسانية عميقة، وفتح ملفات شائكة تتعلق بمستقبل النظام العالمي، ودور القيم الدينية والأخلاقية في ضبط السياسات الدولية، وواقع حقوق الإنسان في مناطق النزاع، وعلى رأسها ما يشهده قطاع غزة من عدوان دموي غير مسبوق.

اللقاء لم يكن بروتوكوليًا بقدر ما كان منصة صريحة لتبادل الرؤى حول اختلال موازين العدالة الدولية، وتراجع سلطة القانون، وغياب الضمير الإنساني عن مراكز اتخاذ القرار العالمي، في وقت تتزايد فيه معاناة الشعوب، وتُهدر فيه القيم التي قامت عليها المنظمات الدولية عقب الحرب العالمية الثانية.

شيخ الأزهر: السياسات العالمية تحولت من حل الأزمات إلى صناعتها

وخلال اللقاء، قدّم فضيلة الإمام الأكبر قراءة نقدية شاملة للمشهد الدولي الراهن، مؤكدًا أن السياسات العالمية المعاصرة لم تعد تقوم بالدور الذي أنشئت من أجله، وهو احتواء الأزمات الدولية ومعالجة النزاعات وحماية السلم العالمي، بل على العكس، أصبحت  وفق تعبيره  أحد الأسباب الرئيسية في تفجير الأزمات وتعقيدها، ثم فرض تبعاتها على الشعوب الضعيفة.

وأوضح شيخ الأزهر أن العالم يشهد انقلابًا خطيرًا في فلسفة العلاقات الدولية، حيث تراجعت لغة الحوار والقانون، وتقدمت لغة القوة والهيمنة، حتى باتت القوة العسكرية والاقتصادية هي المعيار الوحيد لصناعة القرار، دون اعتبار للقيم الإنسانية أو المبادئ الأخلاقية أو حقوق الشعوب في الحياة والحرية والكرامة.

إقصاء الدين وغياب القيم… الجذر الحقيقي للأزمات

وأشار الإمام الأكبر إلى أن أحد أخطر أسباب ما يعانيه إنسان اليوم من تحديات وجودية وأخلاقية هو الإقصاء المتعمد للدين عن مراكز التوجيه والتأثير في المجتمعات، ليس بوصفه شعائر فقط، وإنما باعتباره منظومة قيمية وأخلاقية تضبط السلوك الإنساني، وتحول دون الانزلاق نحو الفوضى والوحشية.

وأكد أن غياب الدور الأخلاقي والقيمي عن السياسات العالمية جعل من القوة الفلسفة الحاكمة في العلاقات الدولية، وهو ما يفسر مشاهد القتل والدمار والتهجير التي يشهدها العالم في مناطق متعددة، دون محاسبة حقيقية أو رادع أخلاقي.

غزة نموذج صارخ لانهيار الضمير العالمي

وتوقف شيخ الأزهر مطولًا عند ما يجري في قطاع غزة، معتبرًا أن العدوان المستمر على المدنيين الأبرياء كشف حقيقة صادمة لا يمكن تجاهلها، وهي الانهيار شبه الكامل لمنظومة الردع الأخلاقي في النظام العالمي.

وقال فضيلته إن ما يحدث في غزة ليس مجرد صراع مسلح، بل نموذج فجّ لجرائم إبادة جماعية تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم، دون أن تنجح القوانين الدولية أو المواثيق الإنسانية في وقفها، متسائلًا بمرارة: هل لا يزال هناك أمل في أن تنال الشعوب حقوقها المشروعة؟ أم أن العالم يسير بخطى متسارعة نحو عصر جديد من الظلام والفوضى والاستبداد؟

وأضاف أن الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات الإدانة، يعكس عجزًا أخلاقيًا خطيرًا، ويؤسس لسابقة تهدد مستقبل العدالة العالمية، وتفتح الباب أمام منطق الغاب، حيث لا مكان إلا للأقوى.

الأديان بريئة من الإرهاب… والتطرف نتاج سياسات ظالمة

وفي رد واضح على محاولات ربط العنف والتطرف بالأديان، شدد شيخ الأزهر على أن جميع الأديان السماوية بريئة تمامًا من التهم التي يحاول البعض إلصاقها بها زورًا وبهتانًا، مؤكدًا أن النصوص الدينية لم تكن يومًا مصدرًا للقتل أو الإبادة أو الإرهاب.

وأوضح أن ما يُمارس باسم الدين من عنف هو في حقيقته نتيجة مباشرة لظلم السياسات العالمية، واستغلال بعض القوى للنصوص الدينية وتسييسها لخدمة أهداف سياسية واقتصادية، والاستيلاء على ثروات الآخرين وأراضيهم، وتجييش مشاعر الشعوب لتحقيق مكاسب ضيقة.

وقال الإمام الأكبر بلهجة حاسمة:
«لا يوجد نص ديني يبيح القتل أو التطرف أو جرائم الإبادة، والإرهاب الذي يُمارس باسم الدين هو في جوهره إفراز لفوضى القوة، وتجارة السلاح، والسعي المحموم وراء المكاسب المادية».

فوضى القوة وتجارة السلاح… التحدي الأكبر أمام الإنسانية

وحذر شيخ الأزهر من أن العالم يواجه تحديًا أخلاقيًا غير مسبوق، يتمثل في فوضى القوة التي باتت تتحكم في مصائر الشعوب، وفي تجارة السلاح التي تغذي النزاعات وتطيل أمد الحروب، وتجعل من الدم الإنساني سلعة في سوق المصالح الدولية.

وأكد أن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تتم عبر الحلول العسكرية أو السياسية فقط، بل تحتاج إلى إعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية، وإحياء الضمير الإنساني، وتمكين القانون الدولي من أداء دوره بعيدًا عن الانتقائية والكيل بمكيالين.

السفير الهولندي: تجربة “بيت العائلة” نموذج ملهم للعالم

من جانبه، أعرب السفير فيم جيرتس، السفير الهولندي لحقوق الإنسان، عن سعادته الكبيرة بلقاء شيخ الأزهر، مشيدًا بالدور الذي يقوم به فضيلته في نشر ثقافة التعايش والسلام والأخوة الإنسانية على المستويين الإقليمي والدولي.

وأثنى السفير الهولندي على تجربة “بيت العائلة المصرية”، معتبرًا إياها نموذجًا رائدًا وملهمًا في تعزيز التعايش الإيجابي بين المسلمين والمسيحيين، ومثالًا حيًا على قدرة المجتمعات على تجاوز الانقسامات الدينية وبناء شراكة إنسانية قائمة على الاحترام المتبادل.

اتفاق على مواجهة خطاب الكراهية وحماية القانون الدولي

وأكد السفير اتفاقه الكامل مع الرؤى التي طرحها شيخ الأزهر، خاصة ما يتعلق بخطورة خطاب الكراهية الذي يهدد السلم العالمي، وضرورة العمل الجماعي على محاصرته، قبل أن يتحول إلى وقود لصراعات جديدة.

وشدد على أهمية التزام جميع الدول بتطبيق القانون الدولي دون انتقائية، والحفاظ على استقلالية مؤسسات المجتمع الدولي، باعتبارها الضامن الأساسي لتحقيق العدالة، وحماية حقوق الإنسان، واستعادة الثقة في النظام العالمي الذي يواجه اليوم اختبارًا تاريخيًا غير مسبوق.

تم نسخ الرابط