نصر نعيم يكتب: الخليج العربي ووهم الحماية الأمريكية
يقف المشهد في الخليج العربي اليوم أمام حالة من «التعقيد الشديد»، حيث يختلط الواقع بالمرتقب في ارتباك مزمن لا ينتهي، هي معادلة صفرية تتلخص في (عدوان أمريكي-إسرائيلي على إيران الدولة المشاغبة، وخليجٍ يؤيد بلسانه ما ينكره قلبه؛ حيث تتصارع الرغبة في «تقليم أظافر» القوة الشيعية ووقف تمدد أذرعها، مع الخوف من كلفة الصراع الممتد على النفوذ والممرات والعشائر والأراضي.
الرهان الخاسر والسيادة المستباحة
مع مرور الأيام، تتسع هوة الصراع وتتفرع تفاصيله، لتسقط معها التوقعات والحسابات الخاطئة، فالجميع يعلم كيف بدأت شرارة التوتر، لكن لا أحد يملك تصوراً للنهاية، خاصة مع الشراسة الإيرانية في الرد، واستباحة سماوات الخليج، والغموض الذي يلف القوة العسكرية الحقيقية لطهران، ناهيك عن اتساعها الجغرافي وقوتها البشرية، هي عوامل أربكت «البيت الأبيض» بقدر ما نغصت مضاجع قصور الحكم في الخليج.
فجأة وجدت ممالك وإمارات الخليج نفسها في قلب «معادلة جهنمية» الحرب التي ظن البعض أنها نزهة لساعات أو أيام، طال أمدها لتبلغ مسيّراتها وصواريخها الرياض وأبو ظبي والمنامة والكويت والدوحة، بات الخليج محاصراً بين «صبر مهين» و «رد مباشر» يفتح أبواب الجحيم، مما يمهد الطريق لتدخل قوى خارجية بذرائع شتى (تأمين الطاقة، حماية الممرات، مكافحة التطرف، وحماية الرعايا)، والنتيجة؟ احتلال «مدفوع الأجر» وواقع صاغه الجميع إلا أصحاب البيت.
من «كوينسي» إلى «البترودولار»: فخ التبعية التاريخي
تتزايد التساؤلات المشروعة في وجدان الشعوب العربية والإسلامية، لماذا يبدأ أمن الخليج وينتهي في ردهات الـ «CIA»؟ ولماذا هذا الإيمان الذي يصل حد التقديس بالقوة الأمريكية؟، ولماذا لم تتجاوب مع الطلب المصري بتكوين قوة عربية قادرة على حماية الثروات والشعوب العربية، ولماذا تباطيء الخليج في عقد شراكات أخرى مع دول قوية في آسيا مثل الباكستان، وفقا لأحكام الجغرافيا.. إن الإجابة تكمن في رحم التاريخ، وتحديداً في 14 فبراير 1945، حين التقى الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت على متن المدمرة «يو إس إس كوينسي»، فهناك وُلدت معادلة (النفط مقابل العرش/ الأمن)، والتي تطورت عام 1974 لتصبح «البترودولار»، حيث يُباع النفط حصرياً بالدولار مقابل الحماية والاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية.
ولأن الرياض هي «رأس الحربة»، سارت بقية دول الخليج التي تأسست في الخمسينيات والسبعينيات على الخطى ذاتها، مستعينة بواشنطن لتأمين وجودها، وهنا برعت واشنطن في صناعة «فزاعة إيران» وشيطنة نظام الخوميني لضمان بقاء المنطقة تحت الوصاية، واستمرار تدفق مبيعات السلاح المليارية.
الجار الأقرب.. العدو الألد!
الغريب في الأمر أن دول الخليج لم تبذل جهداً حقيقياً للتحاور مع إيران، «الجارة المسلمة»، لبناء شراكات اقتصادية تجذبها إلى الفلك العربي بدلاً من استعدائها، ورغم وجود نماذج ناجحة كعُمان والإمارات (التي وصل تبادلها التجاري مع طهران إلى نحو 50 مليار دولار عام 2024)، إلا أن الرؤية الكلية ظلت أسيرة «الشيطنة» والخنق الاقتصادي، لقد شارك الخليج، بوعي أو بدون وعي، في عزل جاره لسنوات، مما خلق أجيالاً حانقة في الداخل الإيراني تنظر لرفاهية الخليج بحقدٍ وترقب، وهو شعور تُرجم أخيراً إلى صواريخ دكت القواعد الأمريكية في المنطقة.
إن الخليج «الجديد» الذي ترسم ملامحه الصراعات الحالية لن يكون عربياً خالصاً، بل سيكون شرق أوسط بخرائط نفوذ جديدة؛ خليجاً بنكهة أمريكية خالصة، مرشده الأعلى «كوشنر» و«إيفانكا»، لا مكان فيه لروسيا ولا تقربه الصين، ولا عداء فيه لإسرائيل، فهل تعيد العواصم الخليجية حساباتها لتجد صيغة «لترويض» إيران وبناء أمن ذاتي مستقل؟ أم ستظل تدور في فلك «العم سام» حتى تضيع الهوية والثروة معاً؟!.