الديجافو تحت المجهر العلمي.. لماذا نشعر أن اللحظة تكررت من قبل؟
في لحظة عابرة، وأنت تجلس في مكان ما أو تخوض حديثًا عاديًا، قد يراودك شعور غريب ومربك: كأن هذا المشهد قد مرّ عليك من قبل بكل تفاصيله الدقيقة، الكلمات نفسها، الإيماءات ذاتها، وحتى الإحساس الداخلي نفسه هذا الشعور الذي يُعرف علميًا باسم ظاهرة الديجافو (Déjà vu)، طالما حيّر البشر، وفتح الباب واسعًا أمام الخرافات والتفسيرات الغيبية، من التقمص إلى استرجاع ذكريات من حياة سابقة، وصولًا إلى الاعتقاد بأن الإنسان رأى هذه اللحظة وهو جنين في رحم أمه.
لكن العلم له رأي آخر، رأي يضع حدًا للأساطير ويعيد الظاهرة إلى موقعها الطبيعي داخل الدماغ البشري.
الديجافو بين الخيال الشعبي والتفسير العلمي
تحسم الدكتورة شيماء البهي، أستاذ مساعد الأدوية والسموم وعلم الأعصاب السلوكي بكلية الصيدلة، الجدل الدائر حول الظاهرة، مؤكدة أن ما يُتداول عن ارتباط الديجافو برؤية الإنسان لمواقف حياته وهو جنين، أو ارتباطها بعوالم روحانية غيبية، لا يمت للعلم بصلة.
وتشدد البهي على أن هذه التفسيرات تنتمي إلى المدارس الروحانية والتخيلات الشعبية، ولا تستند إلى أي دليل علمي أو دراسة موثوقة في علوم الأعصاب أو علم النفس العصبي، معتبرة أن الزج بالديجافو في هذه الدوائر يساهم في نشر معلومات مغلوطة تربك الوعي العام.
ماذا يقول العلم؟ خلل مؤقت في كهرباء المخ
بحسب التفسير العلمي، فإن ظاهرة الديجافو تعود إلى خلل مؤقت وعابر في كهرباء المخ، وتحديدًا داخل منطقة مسؤولة عن الإحساس بالألفة والتعرف على المشاهد، وهي مناطق ترتبط بالذاكرة قصيرة المدى والذاكرة طويلة المدى في آن واحد.
وتوضح الدكتورة شيماء البهي أن هذا الخلل لا يعني وجود مرض عضوي بالضرورة، بل هو اضطراب لحظي في طريقة معالجة المخ للمعلومات، يحدث بشكل طبيعي لدى نسبة كبيرة من البشر في مراحل عمرية مختلفة.
خرافة «التسجيل المزدوج».. لماذا هي غير دقيقة؟
من أكثر النظريات شيوعًا بين الناس الاعتقاد بأن المخ يقوم بتسجيل الحدث نفسه مرتين في اللحظة ذاتها، وهو ما يخلق الإحساس بالتكرار غير أن البهي تنفي دقة هذا الطرح، موضحة أن المخ لا يعمل بهذه السذاجة.
وتشير إلى أن الفارق الزمني بين تسجيل التجربة كحدث حي وبين تخزينها كذكرى لا يتجاوز أجزاءً من الثانية، وفي بعض الأحيان يكون هذا الفارق ضئيلًا لدرجة أن المخ يختلط عليه الأمر، فيتعامل مع الحدث الجديد وكأنه ذكرى قديمة، رغم أنه يحدث للمرة الأولى
عندما يخدعنا التوقيت العصبي
في شرح أدق لآلية حدوث الديجافو، توضح خبيرة علم الأعصاب أن الإنسان قد يكون موجودًا بالفعل في موقف جديد تمامًا، لكن المخ بسبب هذا الارتباك الزمني الطفيف يسجل المشهد مرتين بفارق زمني شديد القِصر.
هذا التداخل بين التسجيل اللحظي والتخزين الذاكري يولد إحساسًا قويًا بالألفة، وكأن العقل يقول لصاحبه: «لقد عشت هذه اللحظة من قبل»، رغم أن الواقع يؤكد عكس ذلك.
لماذا يخيف الديجافو بعض الأشخاص؟
لا يمر هذا الشعور على الجميع بنفس الدرجة من الهدوء. فبحسب الدكتورة شيماء البهي، قد يكون الديجافو مزعجًا أو مخيفًا لبعض الأشخاص، خاصة أولئك الذين يتمتعون بحساسية انفعالية عالية أو قابلية للقلق.
وترجع ذلك إلى أن المنطقة الأمامية في المخ، المسؤولة عن التخطيط والتفكير الواعي واتخاذ القرار، تعمل بوتيرة أبطأ نسبيًا مقارنة بمناطق الذاكرة والمسارات الحسية هذا الفارق في السرعة قد يخلق حالة من الارتباك المؤقت في إدراك الواقع، تجعل الشخص يشعر وكأنه فقد السيطرة على وعيه للحظات.
ظاهرة لحظية.. وليست حالة دائمة
تطمئن البهي إلى أن الديجافو في صورته الشائعة ظاهرة لحظية لا تدوم طويلًا، وغالبًا ما تختفي خلال ثوانٍ معدودة دون أي تدخل طبي أو آثار جانبية.
وتضيف أن معظم البشر قد يمرون بهذه التجربة مرة أو مرتين في حياتهم، أو حتى على فترات متباعدة، دون أن يكون لذلك أي دلالة مرضية.
متى يتحول الديجافو إلى ناقوس خطر؟
رغم طبيعته غير الخطيرة في أغلب الأحيان، تحذر الدكتورة شيماء البهي من تجاهل الظاهرة إذا تحولت إلى حالة متكررة بشكل مبالغ فيه، خاصة إذا كانت مصحوبة بأعراض أخرى غير معتادة.
ومن بين العلامات التي تستدعي الانتباه:
تكرار نوبات الديجافو بشكل ملحوظ ومزعج
القيء أو الغثيان المفاجئ
فقدان الوعي أو الإغماء
نوبات صداع نصفي شديدة
اضطراب في التركيز أو الذاكرة
في هذه الحالات النادرة، قد يكون الديجافو مؤشرًا على اضطراب عصبي يحتاج إلى تقييم طبي متخصص.