رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

كيف صاغت تجربة حسن عصفور الطلابية وعيه الوطني بين 1967 و1970؟

حسن عصفور
حسن عصفور

لم تكن الأعوام الممتدة بين 1967 و1970 مجرد مرحلة دراسية عابرة في حياة المفكر والسياسي الفلسطيني حسن عصفور، وزير شؤون المفاوضات الفلسطيني الأسبق، بل شكّلت واحدة من أكثر المحطات عمقًا وتأثيرًا في مسيرته الفكرية والسياسية ففي تلك السنوات المضطربة، التي أعقبت نكسة يونيو وما تبعها من تحولات كبرى في الوعي العربي والفلسطيني، تشكّلت ملامح جيل كامل من النشطاء السياسيين، كان عصفور أحد أبرزهم.

خلال استضافته في برنامج «الجلسة سرية» على قناة القاهرة الإخبارية، والذي يقدمه الكاتب الصحفي والإعلامي سمير عمر، فتح حسن عصفور خزائن الذاكرة، مستعيدًا تفاصيل دقيقة من تجربته الطلابية المبكرة، كاشفًا كيف أسهمت تلك المرحلة في صياغة وعيه السياسي، وبناء شبكة علاقاته مع مختلف فصائل العمل الوطني الفلسطيني.

البيئة السياسية بعد 1967: الفصائل في قلب المشهد الطلابي

يؤكد حسن عصفور أن نشاطه السياسي الأول تبلور في سياق شديد التعقيد، إذ كانت الساحة الفلسطينية آنذاك تعجّ بالفصائل الرئيسية التي شكّلت العمود الفقري للعمل الوطني، وعلى رأسها حركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية  القيادة العامة، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

ويشرح عصفور أن العمل الطلابي لم يكن منفصلًا عن الصراع الوطني، بل كان امتدادًا له، حيث تحولت الجامعات إلى ساحات حقيقية للنقاش والتنظيم والتعبئة، واختلط فيها الهم الأكاديمي بالهم الوطني، وامتزج الفكر السياسي بالممارسة اليومية.

الأردن: بداية الاحتكاك واكتشاف التناقضات

في محطة الأردن، حيث تواجد عصفور لفترة، بدأت أولى لحظات الصدام بين المثاليات الفكرية والواقع العملي يروي عصفور أنه لاحظ آنذاك سلوكيات داخل بعض الأطر السياسية لم تكن تتسق مع قناعاته الشخصية والدينية في تلك المرحلة، مشيرًا إلى أنه كان يميل إلى التدين، ويستلهم رؤيته الأخلاقية من شخصيات تاريخية مثل الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري، المعروف بمواقفه الصارمة ضد الظلم والتفاوت الاجتماعي.

هذا التناقض بين القيم التي يحملها والواقع الذي يراه، لم يدفعه إلى الانكفاء أو العزلة، بل إلى البحث عن إطار فكري وتنظيمي يستطيع من خلاله التعبير عن قناعاته بصورة أكثر اتساقًا

التحول الفكري: من التدين إلى الانخراط في الحزب الشيوعي الأردني

في سياق هذا البحث، اتخذ حسن عصفور قرارًا مفصليًا بالانخراط في الحزب الشيوعي الأردني، في خطوة تعكس التحولات الفكرية العميقة التي شهدها جيل ما بعد النكسة ويوضح أن هذا الانتقال لم يكن قطيعة مع القيم الأخلاقية، بقدر ما كان محاولة لإيجاد صيغة نضالية ترى في العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني مسارين متكاملين.

ويرى عصفور أن التجربة الشيوعية في تلك المرحلة كانت حاضنة للعديد من الطلاب الفلسطينيين الباحثين عن أدوات تحليل أعمق لفهم أسباب الهزيمة، وآليات الخروج منها، بعيدًا عن الشعارات الجوفاء.

بغداد: مركز النشاط الطلابي وبناء العلاقات السياسية

مع انتقاله إلى العراق لدراسة الزراعة، دخل حسن عصفور مرحلة جديدة من نشاطه السياسي، حيث برز دوره داخل فرع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في بغداد ويصف هذه المرحلة بأنها الأكثر ثراءً وتأثيرًا، إذ تحولت العاصمة العراقية إلى ملتقى للفصائل الفلسطينية، ومنبر مفتوح للنقاش السياسي والفكري.

في بغداد، لم يكتفِ عصفور بالنشاط التنظيمي، بل انخرط في حوارات معمقة مع قيادات شابة من مختلف الفصائل، وأسهم في فعاليات مشتركة ضمت طيفًا واسعًا من التيارات، من فتح إلى الشعبية والديمقراطية، مرورًا بالجبهة العربية المرتبطة بحزب البعث.

العلاقة مع «فتح»: تقاطع السياسة والصداقة

ورغم هذا التنوع في الانخراط، يؤكد حسن عصفور أن علاقته الأقرب، على المستويين الشخصي والسياسي، كانت مع حركة فتح. ويبرز في هذا السياق اسم عزام الأحمد، الذي جمعته به صداقة مبكرة، تطورت لاحقًا إلى علاقة سياسية ممتدة.

ويشير عصفور إلى أن هذا القرب من فتح لم يمنعه من الحفاظ على علاقات إيجابية مع بقية الفصائل، بل على العكس، أسهم في تعزيز قدرته على التواصل مع الجميع، وفهم منطلقاتهم الفكرية والسياسية المختلفة.

العمل المشترك: تجربة تتجاوز الانقسام الأيديولوجي

يؤكد عصفور أن العمل الطلابي في تلك المرحلة اتسم بدرجة عالية من الانفتاح والتداخل، حيث لم تكن الانقسامات الأيديولوجية حادة كما أصبحت في مراحل لاحقة. فقد كان الهم الوطني الجامع قادرًا على احتواء التباينات الفكرية، وخلق مساحات للتعاون المشترك.

ويرى أن هذه التجربة ساعدته على تطوير مهارات الحوار، وبناء جسور الثقة، والتعامل مع الاختلاف باعتباره مصدر قوة لا ضعف، وهو ما انعكس لاحقًا على أدائه في مواقع المسؤولية السياسية والدبلوماسية.

من التجربة الطلابية إلى المسار السياسي والدبلوماسي

لم تكن سنوات 1967–1970 مجرد ذكريات شباب، بل شكّلت قاعدة صلبة لمسار طويل في العمل السياسي فالعلاقات التي نسجها حسن عصفور في تلك المرحلة، والتفاهمات الشخصية والسياسية التي بناها مع قيادات الفصائل المختلفة، تحولت مع الزمن إلى رصيد مهم في مسيرته داخل مؤسسات القرار الفلسطيني.

 

تم نسخ الرابط