الإفتاء تحسم الجدل: تجسيد الذات الإلهية بالذكاء الاصطناعي حرام شرعًا وتعديًا على الغيب
في ظل الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) واستخداماتها في مجالات التصميم والتوليد البصري، أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى شرعية حاسمة بشأن استخدام هذه التقنيات لتوليد صور أو نماذج تُجسّد الذات الإلهية، مؤكدة أن مثل هذه الممارسات محرّمة شرعًا، وتشكل تعديًا على الغيب وانتهاكًا لجلال الله وتنزيهه عن التشبيه أو التجسيد.
وقالت دار الإفتاء إن الهدف من الفتوى هو صيانة العقيدة الإسلامية وحفظ حرمة الذات الإلهية، ومنع الاستخفاف بجلال المعبود، والحفاظ على حدود الغيب التي استأثر الله بعلمه، مؤكدين أن محاولة تصميم أو توليد صور للذات الإلهية بأي وسيلة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، يُعد خروجًا صريحًا عن التنزيه والتوحيد.
الأصل الشرعي: الذات الإلهية منزّهة عن التشبيه
أوضحت الدار أن الذات الإلهية مقدسة ومنزّهة عن التمثيل والتصوير والتجسيد، مستشهدة بآيات القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وقوله عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، أي هل له شبيه أو نظير يشاركه في الصفات.
ونقلت دار الإفتاء أقوال كبار العلماء مثل الإمام القشيري في "لطائف الإشارات" والإمام الجويني في "الشامل في أصول الدين" والإمام البيهقي في "الأسماء والصفات" والإمام أحمد بن حنبل، جميعهم أكدوا أن الله تعالى لا يماثله شيء في ذاته أو صفاته، وأنه لا يجوز تصويره أو تجسيده بأي هيئة.
وأكدت الدار أن أي محاولة لتوليد صورة للذات الإلهية، حتى باستخدام أحدث وسائل الذكاء الاصطناعي، تُعد مساسًا بجلال الله وتنزيهه، وإساءة للأدب مع الله، واستخفافًا بعظمته، ومخالفة صريحة لمقتضيات التوحيد.
محاذير شرعية وعقدية لتوليد الصور
حددت دار الإفتاء أبرز المحاذير الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تصوير الذات الإلهية:
1. المساس بجلال الله وتنزيهه: أي تمثيل أو تصوير للذات الإلهية يتناقض مع أصل التنزيه الذي أقرته الشريعة.
2. النهي عن التفكر في ذات الله: العقل البشري عاجز عن إدراك كيفية الذات الإلهية، والتفكر يجب أن يكون في خلق الله وما أودع فيه من عجائب الصنعة والقدرة.
3. ادعاء علم الغيب: توليد صور للذات الإلهية يمثل خوضًا في عالم الغيب الذي لا يُحيط به إلا الله، ويخالف نصوص القرآن الكريم في ذلك.
ونبهت دار الإفتاء إلى أن هذه الممارسات قد تولد تصورات خاطئة ومعتقدات فاسدة لدى الناس، لا سيما الأجيال الناشئة، وتعرضهم لانحراف عقائدي وأخلاقي، معتبرة أن من مبادئ الشريعة المطهرة ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، كما جاء في كتب الفقهاء مثل "فتح القدير" و"الأشباه والنظائر" و"درء المفاسد أولى من جلب المصالح".
الفتاوى الكلاسيكية وتأكيد التوحيد
استشهدت الدار بأقوال العلماء الكبار لتوضيح خطورة محاولة تصوير الذات الإلهية، منها:
الإمام الطحاوي في "العقيدة الطحاوية": لا يجوز للإنسان تصوير الله أو وصفه بما يشبه المخلوقين، فالله تعالى منزّه عن الحدود والأركان والأعضاء.
الإمام ابن عجيبة في "البحر المديد": التأكيد على أن الله موجود قبل الأكوان، وليس بجسم مصوّر أو جوهر محدود، ولا يمكن محاكاته بأي هيئة.
الإمام إسحاق بن راهويه كما نقله الحافظ ابن رجب: لا يجوز التفكر في ذات الخالق، وإنما يجب التفكر في المخلوقات لما فيها من دلالات على قدرة الله وعظمته.