رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

لماذا يريد ترامب جرينلاند؟ القصة الكاملة من الأمن القومي إلى ثروات القطب الشمالي

ترامب يريد ضم جرينلاند
ترامب يريد ضم جرينلاند

ملف جرينلاند عاد بقوة إلى واجهة الجدل الدولي مع تجدد إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على السيطرة على الجزيرة الشاسعة قليلة السكان، والغنية بالثروات الطبيعية.

تصريحات بدت صادمة لحلفاء واشنطن في أوروبا، لكنها عكست حسابات أعمق تتجاوز فكرة شراء جزيرة، لتلامس صلب الأمن القومي الأميركي وصراع النفوذ في القطب الشمالي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

تصريحات ترامب تشعل القلق الأوروبي

إصرار رئاسي عبّر عنه ترامب صراحة خلال حديثه للصحفيين على متن طائرة الرئاسة الأميركية، مؤكداً أن جرينلاند باتت محاطة بسفن روسية وصينية، وأن الولايات المتحدة تحتاج إليها من منظور الأمن القومي. 

هذه التصريحات جاءت بعد عملية عسكرية أميركية جريئة في فنزويلا، ما ضاعف المخاوف الأوروبية من نهج أكثر اندفاعاً في السياسة الخارجية الأميركية. 

الدنمارك حذّرت بوضوح من أن أي محاولة أميركية للسيطرة على جرينلاند قد تعني عملياً نهاية تماسك حلف شمال الأطلسي.

البيت الأبيض يلوّح بكل الخيارات

تصعيد سياسي لافت صدر عن البيت الأبيض، بعدما أعلن أن إدارة ترامب تدرس “مجموعة من الخيارات” لضم جرينلاند، بما في ذلك خيار استخدام الجيش الأميركي. 

هذا الإعلان رفع مستوى التوتر عبر الأطلسي، وأعاد إلى الأذهان منطق القوة في إدارة الملفات الجيوسياسية الحساسة.

موقع يقع قرب طرق الشحن القطبية

أهمية جرينلاند لا تنبع فقط من بعدها العسكري، الجزيرة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة، تقع قرب طرق الشحن القطبية الناشئة.

ذوبان الجليد المتسارع يفتح ممرات بحرية جديدة تختصر زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا مقارنة بقناة السويس، ما يمنح جرينلاند وزناً اقتصادياً عالمياً متزايداً.

ممر جيوك ونقطة الاختناق البحرية

موقع استراتيجي فريد تتمتع به جرينلاند ضمن ما يُعرف بـ“فجوة جرينلاند – آيسلندا – المملكة المتحدة” أو “ممر جيوك”. هذه المنطقة تمثل نقطة اختناق بحرية تربط القطب الشمالي بالمحيط الأطلسي، وتُعد مساراً حيوياً للغواصات والسفن العسكرية، خصوصاً الروسية.

ثروات طبيعية غير مستغلة

كنوز ضخمة تختبئ تحت الجليد، احتياطيات من النفط والغاز، ورواسب هائلة من المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، تجعل جرينلاند هدفاً اقتصادياً مغرياً. 

هذه المعادن تُعد أساساً لتقنيات المستقبل، من السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح إلى أنظمة تخزين الطاقة وتطبيقات الأمن القومي. 

الصين استخدمت مراراً هيمنتها على هذه المعادن كورقة ضغط على واشنطن.

وجود عسكري أميركي قائم

حضور أميركي فعلي يتمثل في قاعدة بيتوفيك الفضائية، المعروفة سابقاً بقاعدة ثول الجوية، شمال غرب جرينلاند. 

القاعدة تؤدي دوراً محورياً في الإنذار المبكر، إذ يمر أقصر مسار محتمل للصواريخ الباليستية الروسية نحو الولايات المتحدة عبر القطب الشمالي وجرينلاند. 

عدد الجنود الأميركيين هناك تراجع من نحو 6000 خلال الحرب الباردة إلى قرابة 150 جندياً حالياً.

جرينلاند في حسابات الصواريخ والدفاع

تحليل خبراء الأمن يؤكد أن الجزيرة تمثل موقعاً مثالياً لمراقبة الغواصات الروسية العابرة لممر جيوك. 

كما أنها تقع عند تقاطع ممرين ملاحيين قطبيين محتملين، الممر الشمالي الغربي وطريق البحر العابر للقطب الشمالي، ما يعزز قيمتها الاستراتيجية مع تغير المناخ.

القبة الذهبية وحلم الدفاع الشامل

مشروع القبة الذهبية يشكل أحد مفاتيح فهم طموحات ترامب، هذا النظام الدفاعي الصاروخي الطموح، الذي أُطلق في مايو الماضي بتكلفة مليارات الدولارات، يهدف إلى حماية الولايات المتحدة من جميع أنواع الهجمات الصاروخية.

خبراء يرون أن جرينلاند قد تتحول إلى منصة مثالية لنشر صواريخ الاعتراض، بما يتيح لواشنطن الاقتراب أكثر من المجال الروسي لمواجهة أسلحة الجيل القادم.

أمن قومي أم أطماع اقتصادية؟

تحول لافت في خطاب ترامب، الذي انتقل من الحديث عن الأمن الاقتصادي إلى التركيز على الأمن القومي. 

محللون أشاروا إلى أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل اتفاقيات دفاعية طويلة الأمد مع الدنمارك، تتيح لها تعزيز وجودها العسكري دون المساس بالسيادة. 

هذا ما يطرح تساؤلات حول الحاجة الفعلية للسيطرة الكاملة على الجزيرة.

موقف السكان المحليين

رأي عام معارض بشدة لأي سيطرة أميركية، وفق استطلاعات سابقة. في المقابل، تؤيد غالبية سكان جرينلاند الاستقلال عن الدنمارك، دون استبدال تبعية بأخرى، ما يعقّد أي سيناريو لضم الجزيرة.

معادن نادرة تقلق الصين

جرينلاند تحتضن نحو خُمس احتياطي العالم من المعادن الأرضية النادرة، بما يشمل النيوديميوم والديسبروسيوم والتيربيوم.

السيطرة عليها ستقلل اعتماد واشنطن على الصين، التي تهيمن على 90% من سلاسل الإمداد العالمية. 

بعض هذه الرواسب يرتبط باليورانيوم، لكن التعدين محظور منذ 2021 لأسباب بيئية وشعبية.

خلاصة المشهد 

قصة جرينلاند أبعد من فكرة شراء جزيرة، حسابات عسكرية، سباق على الموارد، 

طرق شحن جديدة، ونظام دفاع صاروخي طموح، كلها عناصر تفسر إصرار ترامب. 

وبين مخاوف أوروبا ورفض السكان المحليين، تبقى جرينلاند ساحة صراع جيوسياسي مفتوحة في قلب القطب الشمالي.

تم نسخ الرابط