د. ياسمين عادل تكتب: حقوق الإنسان في أفريقيا إشكاليات وانتهاكات
في ظل اتساع نطاق انتهاكات حقوق الإنسان في أثناء إندلاع النزاعات المسلحة والتي من المؤسف واللافت أنها تقع بشكل متزامن ومتتابع ومتكرر في أفريقيا أصبحت تلك الإنتهاكات أداة رئيسية من أدوات الصراع المسلح بين أطرافه بل وإننا من الممكن أن نلاحظ في الصراعات، التي مازالت تدور الآن في بعض الدول الأفريقية، التي ليست ببعيدة أنه كلما كان أحد أطراف تلك الصراعات "يحمل أجندة خارجية ممولة ومدعومة"، من بعض القوي الإقليمية أو الدولية كلما تصاعدت وتيرة العنف وأزداد اللجوء إلى إنتهاكات أشد وحشية قد تصل تلك الممارسات التي تستهدف غالباً المدنيين الأبرياء الموالين للطرف الآخر فمن المفارقة إن حقوق الإنسان في حالات الصراعات والنزاعات المسلحة في أفريقيا قد تعد "سبب ونتيجة" في آن واحد لتلك الصراعات حيث شكلت التقاليد القبلية والإثنية والإحتياجات الأساسية وضرورات التنمية دوراً كبيراً في صياغة المفهوم الأفريقي لحقوق الإنسان.
فمن الممكن أن نعتبر أن المجتمعات الأفريقية لديها مفاهيم خاصة لحقوق الإنسان مبنية علي القيم القبلية والتقليدية الأفريقية الإ أنه مع ظهور اتجاه مختلف على الساحة الفكرية القارية تبنت وجهة نظر تقوم علي أن الفكر العالمي لحقوق الإنسان قد تطور في اتجاه الاتفاق على منظومة الحقوق المشتركة والموحدة لجميع الشعوب والثقافات فهي حقوق تتصف بالشمولية يمكن تطبيقها علي كافة المجتمعات والشعوب.
إلا أن ومن المؤسف قد شهدت النزاعات المسلحة التي وقعت في أفريقيا ممارسات منذ اندلاعها ولحين الوصول إلى تسوية سلمية بمن فيها تلك النزاعات التي مازالت قائمة تعد وتصنف بأنها أشكال متعددة من الانتهاكات لحقوق الإنسان بشكل متلازم، سواء كانت تقع ضمن الأشكال الأبرز لانتهاكات حقوق الإنسان مثل" الإبادة الجماعية/ حقوق الإنسان الأساسية/ الحريات المدنية/ الحقوق السياسية / التمييز الإثني والاجتماعي" أو علي غيرها من حقوق الإنسان إلا أن تلك الإنتهاكات الجسيمة تبقي الأشد خطورة وعنف وذلك لأسباب متعددة.
* الإبادة الجماعية
فقد وصفت الإبادة الجماعية الأثنية بأنها ذروة العنف الموجهة لاستئصال جذور جماعة بعينها من الوجود فهي تصنف بأنها أبرز الإنتهاكات التي تتخلل أي نزاع مسلح وقد يكون مستهدف في حد ذاته فا وفق لتعريف الأمم المتحدة والذي ينص علي أن الإبادة الجماعية هي " أعمال ترتكب بهدف تدمير جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية كلياً أو جزئياً"
وفي هذا الإطار تعد حالة الإبادة الجماعية الأضخم وفق تصنيف الأمم المتحدة في النموذج الأفريقي والناجمة عن العنف القبلي هي حالة قتل مالا يقل عن 800.000 فرد من قبيلة واحدة وهي قبيلة "التوتسي" وما يقرب من 20 ألف من المتعاطفين مع " التوتسي " من قبيلة " الهوتو " وهي حالة روندا.
* إنتهاك حقوق الإنسان الأساسية
*
تأتي الانتهاكات التي تمس حقوق الإنسان الأساسية في المرتبة الأقل خطورة من الإبادة الجماعية على الرغم من أنها تهدد حياة الأفراد من خلال ممارسات متعلقة بالكرامة الإنسانية وأحياناً تهدد حياة الفرد ومنها علي سبيل المثال.
"القتل السياسي أو الغير قانوني / الحرمان من المحاكمة العادلة/ التعذيب / الاضطهاد / انتهاك القانون الإنساني أثناء النزاعات المسلحة " وبشكل عام فإن تلك الحقوق التي من خلالها تقع الحماية وتحقق الأمن البدني للأفراد والقبائل وبالرغم من ذلك شهدت النزاعات المسلحة والحروب الأهلية في أفريقيا إنتهاكات متكررة لتلك الحقوق كثيراً ما تصل إلي لجوء أحد أطراف الصراع إلي عمليات تعذيب أو إغتصاب وفي أحوال أشد عنف يتم اللجوء إلي إفتعال "مذابح " وإستخدامها كوسيلة للفت المجتمع الدولي إلي الصراع الجاري ومن أبرز الصراعات التي شهدت إنتهاك صريح لتلك الحقوق
" بوروندي / تشاد / أنجولا/أثيوبيا / روندا / موزمبيق/ ليبيريا/ السودان / سيراليون/ الكونغو الديمقراطية ".
حيث جاء تاريخ أثيوبيا حافل في تلك الانتهاكات وعلي الرغم من انتهاء الحرب الأهلية منذ عام ١٩٩١ إلا أنه ظلت تصدر تقارير غير رسمية تشير إلى حدوث عمليات قتل غير قانونية ضد جماعات المعارضة مع وجود إخلال بالأمن جسيم بالمناطق التي تبعد نسبياً عن سيطرة الحكومة الفيدرالية في ظل انشغال الحكومة المركزية بالسيطرة علي المعارضة وسقوط ضحايا من المدنيين جراء تلك الاشتباكات، كما رصدت التقارير الغير رسمية انتهاكات مورست من قبل مسؤولي أمن أثيوبيين تجاه السجناء سواء بالتعذيب أو سوء المعاملة مع تكدس أعداد السجناء بالسجون الأثيوبية وفي ظل إندلاع الصراع بين أثيوبيا والجانب الإريتري لجأت أثيوبيا في انتهاك صريح لحقوق الإنسان الأساسية بتنفيذ عملية نفي ممنهج والحرمان من الجنسية لأعداد كبيرة من المواطنين تقدر عددهم بالآلآف ذات الأصول الإريترية علي الرغم من أنهم يحملون هويات وأوراق رسمية أثيوبية بل وفي كثير من الأحيان كان يلجأ المسؤولين الأثيوبيين إلي مصادرة أراضي زراعية من أجل إجبار سكان بعض المناطق الخضوع للحكومة المركزية.
انتهاك الحريات المدنية
تتصل الحريات المدنية بمنظومة الحقوق المتعلقة بحرية الفرد في التعبير والإعتقاد الديني وتحديدا حرية النشر وحرية الإعتقاد وحرية التحرك والسفر وبشكل عام تتعرض تلك الحقوق والحريات لمخاطر كبيرة في الأحيان التي تقع فيها نزاعات مسلحة أو حروب أهلية في ظل ما تتخللها من ممارسات تنصب علي سلب تلك الحقوق وعلي الرغم من أن أغلبية الدساتير الأفريقية والقوانين المنبثقة عنها تؤكد علي الإحترام والالتزام الكامل بتلك الحقوق إلا أن التطبيق الفعلي دائما ما يأتي مغاير لما جاءت به الدساتير ونصت علي القوانين.
وقد مرت أنجولا في بعض الحقب وأثناء وجود اضطرابات وعلي الرغم من التحسن التدريجي في الأوضاع إلي أن أستمر التضييق علي الصحفيين خاصة الصحفيين الأجانب ومنع التنقل علي أراضيها كما شهدت المناطق التي كانت تحت سيطرة حركة " يونيتا " حرمان كامل من الحقوق المدنية خاصة حرية التنقل من وإلي المناطق التي تشهد سيطرة من جانب الحكومة آن ذاك .
* انتهاك الحقوق السياسية
تتمثل الحقوق السياسية بشكل أساسي بالقضايا المتعلقة بحق المواطنين في المشاركة السياسية الكاملة علي غرار كافة الانتهاكات التي تستهدف حقوق الإنسان وعلي الرغم من تأكيد كافة الدساتير الأفريقية وعلي أنها تكفل الحقوق السياسية للمواطنين إلا أن من الملاحظ في هذا الصدد أن الحروب الأهلية في كثير من الحالات والنزاعات المسلحة تعتبر سبب ونتيجة للتهميش السياسي لقوميات وجماعات أثنية بعينها وفي كثير من الحالات تلجأ المعارضة لممارسة العنف المسلح ضد النظام الحاكم نتيجة لتوغل المعارضة وخروجها عن سيطرة مؤسسات الدولة، وفي حالات أخري يلجأ النظام الحاكم إلي إحتكار السلطة وأن تقتصر المشاركة السياسية علي جماعة أثنية بعينها وتهميش مكونات المجتمع الأخري وفي أحيان أخري تلجأ الحكومات إلي انتهاز حالات النزاعات المسلحة القائمة وتعطل عملية الإصلاح السياسي تحت مسمي منح الأولوية لمواجهة التمرد المسلح ومن الملفت في حالة نجاح الجماعات المسلحة المقتتلة من الوصول إلي الحكم فإنها تمتنع في الكثير من الحالات من الإلتزام بفتح مجال المشاركة السياسية من منطلق الحفاظ على الحقوق السياسية للمواطنين تحت إطار مزاعم الحاجة إلي فترة إنتقالية لمعالجة مايتعلق بأثار النزاعات المسلحة .
* التمييز الإثني الاجتماعي
من الملفت تعرض الحقوق الإثنية لانتهاكات تقليدية وتزيد حدة تلك الانتهاكات بقوة في حالات اندلاع نزاعات مسلحة أو صراعات أو حروب أهلية وبرصد تلك الانتهاكات نجد تناقض كبير فيما تتبعه الحكومات الأفريقية مع ما جاءت به دساتير تلك الدول والتي أكدت علي أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون كما حظرت كافة أشكال التمييز الإثني بمختلف أشكالها.
واستكمالا للنموذج الأثيوبي في سلسلة الإنتهاكات ظلت جماعة "الأورومو " تعاني من الإضطهاد في مراحل مختلفة، علي الرغم من كونها أكبر جماعة من حيث عدد السكان ثم وقع نفس تلك الممارسات من التهميش والإضطهاد تجاه جماعة "التيجراي" فقد تكون تقليص تمثيل كافة القوميات من مكونات المجتمعات الأفريقية أحيانا عامل محفز يترتب عليه وقوع الصراع.
مازالت أفريقيا تعاني من سلسلة انتهاكات متكررة لحقوق الإنسان مما يترتب عليه نتائج بالغة الخطورة علي كافة المستويات وكنتيجة حتمية فإن ما وقع من إنتهاكات مرعبة لحقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة بالأمس القريب واليوم يعد عاملاً أساسياً في التدخلات الدولية والإقليمية في تلك الدول وأخيراً تثير انتهاكات حقوق الإنسان إشكالية تتمثل في كيفية منع تكرار تلك الانتهاكات مستقبلا ؟؟ في ظل تجدد النزاعات المسلحة في مناطق مختلفة بشكل متكرر منذ انسحاب الاستعمار من الدول الأفريقية وحرصها على ترسيم حدود للدول الأفريقية تخدم مصالحها في القارة وطموحها في الرجوع لمستعمراتها القديمة والسيطرة علي خيرات القارة ولكن من خلال عملائها بالداخل فإن وضع حدود لا تتناسب مع جغرافيا القبائل وحقيقة تواجدهم علي الأرض والحرص علي تقسيمهم بين الدول كان لخدمة هدف بعيد المدي .