خلفيات موجة الاعترافات الأوروبية والدولية بدولة فلسطين

في ظل تسارع التحولات الدولية تجاه القضية الفلسطينية، بدأت عدة دول حول العالم تعيد تموضعها الدبلوماسي، مدفوعة بتدهور الأوضاع الإنسانية في غزة، وتصاعد الضغوط الشعبية والمؤسساتية، ما أدى إلى بروز موجة جديدة من الاعترافات السياسية بدولة فلسطين، سواء بشكل مباشر أو عبر مواقف مشروطة.
لوكسمبورج تدخل على خط الاعتراف
أعلنت لوكسمبورج استعدادها الجاد للنظر في الاعتراف بدولة فلسطين.
وقال رئيس الوزراء لوسيان لوكس في مؤتمر صحفي عقده يوم 30 يوليو 2025 إن القضية ستُعرض للنقاش داخل البرلمان خلال أسابيع، في ضوء التوجه الأوروبي المتصاعد لدعم الفلسطينيين، والتنسيق المستمر داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
هذا التوجه يأتي استجابةً لانتهاكات إسرائيل المستمرة في غزة، مع حرص لوكسمبورج على دعم حقوق الشعوب وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
أندورا وسان مارينو دعم رمزي
في 29 يوليو، أصدرت أندورا وسان مارينو بيانًا مشتركًا عبر ممثليهما في الأمم المتحدة أعربتا فيه عن دعمهما للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
هذه الخطوة تنبع من رغبة البلدين الصغيرين في لعب أدوار رمزية في القضايا الإنسانية الكبرى، خاصة بعد ضغوط من منظمات غير حكومية أبدت قلقًا من تفاقم الأزمة الغذائية في قطاع غزة.
مالطا موقف أخلاقي يعززه ضغط شعبي
رئيس وزراء مالطا روبرت أبيلا أعلن عبر فيسبوك دعم بلاده للاعتراف بدولة فلسطين خلال الجمعية العامة المقبلة للأمم المتحدة، مؤكدًا أن القرار "تعبير عن التزام أخلاقي بتقرير المصير".
وأوضح وزير الخارجية المالطي أن الموقف جاء أيضًا استجابة لمظاهرات قادتها الجالية الفلسطينية في فاليتا.
مالطا تسعى لتعزيز مكانتها كدولة صغيرة ذات دور إنساني نشط في المحافل الدولية.
كندا تضع شروطًا مسبقة للاعتراف
في خطوة أكثر تحفّظًا، أعلنت كندا نيتها الاعتراف بدولة فلسطين بشرط إجراء انتخابات فلسطينية في عام 2026، مع استبعاد حركة حماس من المشاركة، ونزع سلاحها بالكامل.
رئيس الوزراء مارك كارني أكد هذه الشروط، فيما أوضحت وزيرة الخارجية أنيتا أناند أن الهدف من ذلك هو ضمان الاستقرار السياسي قبل أي خطوة دبلوماسية.
جاء هذا القرار مدفوعًا بضغوط الجالية الفلسطينية الكبيرة في كندا، ورغبة أوتاوا في استعادة دورها كوسيط محايد.
أستراليا استعداد مشروط
في 28 يوليو، وقّعت أستراليا بيانًا مشتركًا أعربت فيه عن "استعداد مشروط" للاعتراف بدولة فلسطين.
وقال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز إن اتخاذ القرار مرهون بتقدّم ملموس في المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، مؤكدًا دعم بلاده لحل الدولتين.
الموقف الأسترالي يعكس توازنًا معقدًا بين ضغوط الجاليات العربية من جهة، والحرص على علاقات وثيقة مع واشنطن من جهة أخرى.
فرنسا تمضي نحو الاعتراف الرسمي
منتصف يوليو، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسميًا أن باريس ستعترف بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة المقبلة.
وقال ماكرون إن الخطوة تندرج ضمن استراتيجية دعم حل الدولتين، في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة، حيث قُتل أكثر من 60 ألف شخص منذ أكتوبر 2023.
جاء القرار نتيجة ضغط داخلي من الجاليات العربية، بالإضافة إلى تفاهمات دبلوماسية مع السعودية حول سبل دعم المبادرة.
بريطانيا: الاعتراف مشروط بوقف النار في غزة
في نهاية يوليو، حسمت لندن موقفها. وقال رئيس الوزراء كير ستارمر إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيكون مشروطًا بجدّية إسرائيل في التوصل إلى وقف إطلاق نار مستدام في غزة.
القرار جاء عقب نقاشات برلمانية طويلة واستطلاعات رأي أظهرت أن نحو 60% من البريطانيين يؤيدون الاعتراف.
ويعكس هذا القرار تحوّلًا في السياسة البريطانية، مدفوعًا بضغوط الجاليات المسلمة ومنظمات حقوق الإنسان.
خلفيات التحول الدولي
التحول المتسارع في مواقف العواصم الدولية إزاء الاعتراف بدولة فلسطين لا يأتي من فراغ، بل نتيجة جملة من العوامل المعقدة:
- أولًا، الكارثة الإنسانية في غزة التي وصلت، حسب تقارير الأمم المتحدة، إلى مستوى المجاعة.
- ثانيًا، تصاعد الضغوط الشعبية في الدول الغربية، حيث شهدت باريس ولندن وتورونتو تظاهرات حاشدة ضد سياسات إسرائيل.
- ثالثًا، الانقسام الداخلي الإسرائيلي، لا سيما احتجاجات عائلات الرهائن، دفع الدول لاعتبار أن الحل السياسي بات ضرورة.
- رابعًا، تباين المواقف مع الإدارة الأميركية التي تعارض الاعتراف بدولة فلسطين، ما شجع حلفاء واشنطن على اتخاذ مواقف مستقلة.
- خامسًا، التوجه المتنامي داخل الاتحاد الأوروبي لدعم حقوق الإنسان وإنهاء الاحتلال، وسط دعوات متزايدة لفرض عقوبات على إسرائيل.