واشنطن تبحث عن مخرج من حرب إيران.. لماذا تعثرت الخيارات العسكرية والاقتصادية أمام طهران؟
تواجه الولايات المتحدة الأمريكية صعوبات متزايدة في إنهاء الحرب مع إيران، في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية وعدم تحقيق الخيارات العسكرية والضغوط الاقتصادية النتائج المرجوة، بالتزامن مع استمرار الخلافات بين واشنطن وطهران بشأن شروط وقف الحرب والتوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة. وبين احتمالات استئناف المفاوضات ومخاوف تجدد التصعيد العسكري، تتزايد التساؤلات حول قدرة الإدارة الأمريكية على صياغة تسوية تحقق أهدافها دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور نعمان توفيق العابد، الباحث في الشؤون الدولية، أن الولايات المتحدة تواجه صعوبة في إنهاء الحرب مع إيران، مشيرًا إلى أن الحل العسكري والحصار الاقتصادي المفروض على طهران لم يحققا النتائج التي كانت واشنطن تأمل الوصول إليها، فضلًا عن تعثر المفاوضات بين الطرفين، رغم استمرار جهود الوساطة الرامية إلى تقريب وجهات النظر.
وأوضح العابد، خلال مداخلة عبر تطبيق «زووم» من جنين، على شاشة «إكسترا نيوز»، أن استمرار الأزمة يعكس تعقيد الحسابات السياسية والاستراتيجية المرتبطة بالحرب، في ظل تباين المواقف بشأن الشروط المطلوبة لإنهائها، وهو ما يجعل الوصول إلى اتفاق نهائي مرهونًا بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة.
تأتي الصعوبات التي تواجه الولايات المتحدة في إنهاء الحرب، وفقًا لتقديرات الباحث، في وقت لم تنجح فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية في حسم المواجهة بالشكل الذي كانت تتطلع إليه واشنطن. فاستمرار الأزمة، بالتوازي مع تعثر المفاوضات، يضع الإدارة الأمريكية أمام مجموعة من الخيارات المعقدة، التي تتراوح بين مواصلة الضغط على إيران والعودة إلى طاولة التفاوض أو اللجوء إلى تصعيد عسكري جديد.
ويشير هذا المشهد إلى أن إدارة الصراع لا تتوقف على القدرات العسكرية وحدها، وإنما ترتبط أيضًا بمدى إمكانية تحويل الضغوط المفروضة إلى نتائج سياسية قابلة للتحقق. فحتى مع استمرار الضغوط الاقتصادية، تظل التسوية بحاجة إلى تفاهمات بشأن الملفات الخلافية، وهو ما يفسر أهمية المسار الدبلوماسي في الحسابات الأمريكية والإيرانية.
وبحسب العابد، فإن استمرار جهود الوساطة يؤكد أن باب التفاوض لم يُغلق بصورة نهائية، رغم الصعوبات التي تواجه هذا المسار. غير أن نجاح الوساطات يتطلب وجود أرضية مشتركة بين الطرفين، تسمح بالانتقال من تبادل المطالب والضغوط إلى مناقشة ترتيبات واضحة لإنهاء الحرب.
رغم تعثر المسار الدبلوماسي، لا يزال التفاوض أحد الخيارات المطروحة أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل قد يكون الخيار الذي يفضله في ظل الصعوبات المرتبطة بحسم المواجهة عسكريًا أو الوصول إلى نتائج سياسية من خلال الحصار الاقتصادي.
لكن العابد يرى أن فرص التوصل إلى اتفاق تظل مرتبطة بطبيعة المطالب الأمريكية، ومدى استعداد واشنطن وطهران للتوصل إلى تفاهمات مشتركة تراعي المصالح الأساسية لكل طرف.
وتبرز هنا معضلة رئيسية تتمثل في الفارق بين التوصل إلى اتفاق محدود يعالج ملفات بعينها، وبين السعي إلى تسوية أوسع تتناول جوانب متعددة من السياسة الإيرانية وموقع طهران الإقليمي والدولي. فكلما اتسعت دائرة المطالب المطروحة على طاولة المفاوضات، ازدادت الملفات التي يتعين على الطرفين التوصل إلى تفاهمات بشأنها، بما قد يجعل الوصول إلى اتفاق أكثر صعوبة.
ومن ثم، فإن نجاح التفاوض لن يتوقف فقط على انعقاد اللقاءات أو استمرار الوساطات، وإنما سيعتمد على طبيعة الشروط التي يطرحها كل طرف، ومدى إمكانية تحويلها إلى صيغة توافقية قابلة للتنفيذ.
طرح الباحث في الشؤون الدولية تصورًا يتعلق بالملفات التي يمكن أن تفتح الطريق أمام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، موضحًا أن فرص التوصل إلى تفاهم قد تكون أكبر إذا اقتصرت المفاوضات على الملف النووي الإيراني ومضيق هرمز.
ويعكس هذا الطرح أهمية تحديد نطاق المفاوضات وحصرها في قضايا محددة يمكن مناقشة تفاصيلها الفنية والسياسية، بدلًا من توسيعها لتشمل جميع الخلافات المرتبطة بالعلاقات بين البلدين.
فالملف النووي الإيراني يمثل أحد أبرز محاور الخلاف بين واشنطن وطهران، بينما يكتسب مضيق هرمز أهمية استراتيجية واقتصادية بسبب موقعه الحيوي في حركة الملاحة الدولية وتجارة الطاقة. ولذلك، فإن إدراج هذين الملفين ضمن أي مفاوضات محتملة يضع قضايا الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي في صلب النقاش بشأن مستقبل الأزمة.
ومع ذلك، فإن اقتصار المفاوضات على هذين الملفين لا يعني بالضرورة ضمان نجاحها، إذ يظل التوصل إلى اتفاق مرتبطًا بتفاصيل الشروط والضمانات وآليات التنفيذ، فضلًا عن قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات التي حالت دون تحقيق تقدم في المسار الدبلوماسي.
في المقابل، حذر العابد من أن الأزمة قد تصبح أكثر تعقيدًا إذا امتدت المطالب الأمريكية إلى قضايا تتعلق بسيادة إيران، وتحالفاتها الاستراتيجية، ومصالحها الاقتصادية.
ويعني توسيع نطاق المفاوضات ليشمل هذه الملفات الانتقال من مناقشة قضايا محددة إلى التعامل مع مجموعة أوسع من المصالح التي ترتبط بحسابات الأمن القومي الإيراني ودور طهران الإقليمي.
وتكمن صعوبة هذا المسار في أن الملفات المتعلقة بالسيادة والتحالفات والمصالح الاقتصادية لا تُطرح باعتبارها قضايا فنية منفصلة، بل ترتبط برؤية كل طرف لموقعه الاستراتيجي ومصالحه طويلة الأجل. ومن ثم، فإن محاولة إدراجها جميعًا ضمن اتفاق واحد قد ترفع سقف الخلافات وتزيد من صعوبة الوصول إلى صيغة مقبولة لدى الجانبين.
وفي هذا الإطار، تبدو طبيعة المطالب الأمريكية عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الأزمة، سواء اتجهت المفاوضات نحو تسوية محدودة تركز على الملفات الأكثر إلحاحًا، أو توسعت لتشمل قضايا أعمق ترتبط بالعلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
وتطرق الباحث إلى حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيرًا إلى أنه يسعى إلى الظهور بمظهر المنتصر أمام الشعب الأمريكي، وهو ما يضيف بُعدًا سياسيًا داخليًا إلى المفاوضات المتعلقة بإنهاء الحرب.
وفي تقدير العابد، فإن رفض ترامب العودة إلى الاتفاق النووي السابق الذي أُبرم خلال فترة رئاسة باراك أوباما يمثل أحد العوامل التي تزيد من تعقيد فرص التوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران.
وتكشف هذه المسألة عن تداخل الاعتبارات الداخلية مع الملفات الخارجية، إذ لا تقتصر حسابات الإدارة الأمريكية على شروط الاتفاق نفسه، وإنما تمتد إلى الكيفية التي يمكن بها تقديم أي تسوية للرأي العام الأمريكي باعتبارها نتيجة تحقق أهداف واشنطن.
وفي المقابل، فإن البحث عن صيغة مختلفة للاتفاق السابق يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الشروط الجديدة التي قد تطالب بها الولايات المتحدة، ومدى قبول إيران بها، وما إذا كانت المفاوضات قادرة على إنتاج تفاهمات تتجاوز نقاط الخلاف التي عطلت المسارات السابقة.
وبالتالي، فإن أي اتفاق محتمل سيواجه تحديًا مزدوجًا؛ يتمثل الأول في معالجة الخلافات بين الطرفين، بينما يتعلق الثاني بقدرة كل قيادة على تقديم التسوية داخليًا باعتبارها خطوة تتفق مع مصالحها وأهدافها السياسية.
وفيما يتعلق باحتمالات شن هجوم جديد على إيران، أعرب العابد عن اعتقاده بأنه لا يتوقع حدوث تغير جوهري في مسار الأزمة قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، سواء اتجهت التطورات نحو التصعيد العسكري أو استمرت المفاوضات.
اقرا ايضا.. عدوان إسرائيلي واسع على الخليل.. تهجير عائلات فلسطينية وهدم منازل تحت الحصار