د. أحمد جمعة عبد الغني حسن يكتب: خارطة عمل مقترحة لتحفيز الاستثمار وتوليد النقد الأجنبي وتعزيز الحماية الاجتماعية حتى عام 2030
يمثل منتدى مصر 2026 مساحة مهمة للحوار حول مستقبل الاقتصاد المصري وأولويات التنمية خلال المرحلة المقبلة. وتأتي أهمية المنتدى من تعدد القضايا التي ناقشها وتنوع المشاركين فيه من المسؤولين والخبراء والأكاديميين وممثلي قطاعات الأعمال والمجتمع. فالقضايا الاقتصادية لا تنفصل عن قضايا التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي والطاقة وجودة الحياة. كما أن نجاح أي برنامج اقتصادي لا يتوقف على سلامة أهدافه أو دقة مستهدفاته الكمية فحسب وإنما يرتبط بقدرته على تحويل هذه الأهداف إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن وتنعكس على حياة الأسر المصرية وعلى قدرة المنشآت الإنتاجية على النمو والتوسع.
وفي هذا السياق تكتسب مناقشة البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي أهمية خاصة باعتباره إطارا يمكن أن تنتقل من خلاله السياسة الاقتصادية إلى مرحلة أكثر تركيزا على الإنتاجية والتنافسية والاستثمار والتشغيل والاستدامة المالية. وقد عرضت الحكومة ملامح برنامج يمتد حتى عام 2030 ويستهدف ترسيخ الاستقرار الاقتصادي وتعزيز دور القطاع الخاص وتحسين جودة الحياة. كما تضمنت الملامح المعلنة محاور متعددة ومستهدفات وإجراءات ومؤشرات للأداء بما يتيح بناء منظومة أكثر وضوحا لمتابعة التنفيذ وتقييم النتائج.
لكن السؤال الاقتصادي الأهم الذي ينبغي أن يظل حاضرا في جميع مراحل تصميم البرنامج وتنفيذه هو: كيف نضمن أن تتحول الإصلاحات الاقتصادية إلى زيادة مستدامة في موارد النقد الأجنبي وفرص الاستثمار والإنتاج والتشغيل ثم إلى تحسن حقيقي في القوة الشرائية ومستوى معيشة المواطنين؟
إن هذا السؤال لا ينتقص من أهمية الاستقرار الاقتصادي أو الإصلاحات الهيكلية بل يضعهما في إطارهما الصحيح. فالاستقرار ليس غاية منفصلة عن التنمية وإنما هو شرط لنجاحها. وزيادة الاستثمارات ليست هدفا مستقلا عن المجتمع وإنما وسيلة لتوسيع الطاقة الإنتاجية وخلق فرص العمل.
وتوليد النقد الأجنبي لا يتحقق على نحو مستدام بمجرد تدفقات مالية مؤقتة بل يتطلب اقتصادا قادرا على الإنتاج والتصدير وتقديم الخدمات التنافسية وجذب استثمارات تحقق قيمة مضافة مستمرة.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خارطة عمل تنفيذية تربط بين السياسات النقدية والمالية والاستثمارية والصناعية والتجارية والاجتماعية في إطار واحد من الأولويات المحددة والمسؤوليات الواضحة والنتائج القابلة للقياس.
أولا: من الاستقرار الاقتصادي إلى جودة النمو
أحد أهم الدروس المستفادة من التجارب الاقتصادية أن تحقيق الاستقرار الكلي ضرورة لا غنى عنها ولكنه لا يضمن وحده ارتفاع مستويات المعيشة أو اتساع فرص العمل أو زيادة الإنتاجية. فقد تتحسن بعض المؤشرات الكلية في الوقت الذي تظل فيه قطاعات من المجتمع تواجه ضغوطا معيشية أو تجد المنشآت الصغيرة والمتوسطة صعوبة في الحصول على التمويل أو تعاني بعض القطاعات الإنتاجية من ارتفاع تكاليف مستلزماتها.
وقد أكدت المناقشات المرتبطة بمنتدى مصر 2026 أهمية الانتقال من مجرد متابعة المؤشرات الاقتصادية إلى مراجعة نتائج السياسات وقدرتها على تحقيق التنمية. كما شدد الدكتور محمود محيي الدين على أن العبرة الأساسية تتمثل في التنفيذ ومراجعة ما تحقق من إصلاحات وبنية أساسية ومشروعات إنتاجية. وتنسجم هذه الرؤية مع ضرورة أن يتجاوز البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي مرحلة الإعلان عن المستهدفات إلى مرحلة قياس أثرها الفعلي في النشاط الاقتصادي وحياة المواطنين.
وعليه أقترح أن تقوم فلسفة التنفيذ على مفهوم جودة النمو وليس معدل النمو وحده. ويعني ذلك أن تتضمن متابعة الأداء الاقتصادي مجموعة متكاملة من المؤشرات تشمل معدل نمو الناتج المحلي الحقيقي ومعدل نمو الإنتاجية وحجم الاستثمار الخاص ومعدل تكوين رأس المال الثابت ونمو الصادرات غير البترولية وصافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وفرص العمل الجديدة ومستويات الأجور الحقيقية ومعدلات التضخم التي تتحملها الأسر.
ومن الضروري أيضا التمييز بين زيادة الناتج نتيجة توسع حقيقي في الإنتاج وبين زيادته الاسمية التي قد تعكس ارتفاع الأسعار. فالمعيار الذي يهم المواطن في النهاية هو ما يستطيع دخله الحصول عليه من سلع وخدمات وما إذا كانت فرص العمل المتاحة توفر أجورا مناسبة واستقرارا وظيفيا ومسارا للتقدم المهني.
لذلك فإن نجاح البرنامج ينبغي أن يقاس بقدرته على تحقيق ثلاثة تحولات متوازية: اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية وقدرة على توليد النقد الأجنبي ومجتمع يحصل على نصيب ملموس من ثمار النمو من خلال العمل اللائق وتحسن الخدمات والحماية الاجتماعية الفعالة.
ثانيا: خارطة عمل لتوليد النقد الأجنبي من الاقتصاد الحقيقي
يمثل توفير النقد الأجنبي أحد المتطلبات المهمة لاستقرار الاقتصاد المصري وقدرته على تمويل الواردات الإنتاجية وسداد الالتزامات الخارجية ودعم الاستثمار. لكن التحدي لا يتمثل في توفير النقد الأجنبي في فترة محددة فقط بل في بناء مصادر متجددة له تقلل التعرض للصدمات الخارجية وتحد من الاعتماد على التدفقات التي تتأثر سريعا بتغيرات الأسواق العالمية.
ومن منظور اقتصادي ينبغي أن تنطلق خارطة العمل من قاعدة أساسية مفادها أن أفضل مصادر النقد الأجنبي المستدامة هي تلك التي ترتبط بقدرة الاقتصاد على إنتاج سلع وخدمات مطلوبة في الأسواق الدولية وتحقيق قيمة مضافة محلية مرتفعة.
1. زيادة الصادرات الصناعية والزراعية
يتطلب ذلك الانتقال من تشجيع الصادرات بصورة عامة إلى بناء برامج قطاعية تستهدف منتجات وأسواقا محددة وفقا للمزايا التنافسية الفعلية للاقتصاد المصري. ويمكن إعطاء أولوية للصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية والهندسية والمنسوجات والملابس ومكونات الإنتاج والمنتجات التي يمكن إدماجها في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.
ويجب أن ترتبط الحوافز التصديرية بالنتائج المحققة فعليا وليس بمجرد الحصول على التراخيص أو إعلان خطط التوسع. ويمكن تصميم حوافز تتدرج وفقا لنمو الصادرات والقيمة المضافة المحلية والالتزام بمعايير الجودة وفتح أسواق جديدة وتوفير فرص العمل الرسمية.
أما القطاع الزراعي فينبغي التعامل معه باعتباره مصدرا محتملا للنقد الأجنبي وأداة لتعزيز الأمن الغذائي في الوقت نفسه. ويتطلب ذلك تحسين الإنتاجية الزراعية وتطوير نظم الري والتخزين والتبريد والتعبئة والنقل وتوجيه جانب أكبر من الإنتاج إلى المنتجات الأعلى قيمة والأسواق الأكثر ملاءمة. كما ينبغي التوسع في التصنيع الزراعي بما يسمح بتصدير منتجات مصنعة بدلا من الاقتصار على المنتجات الأولية متى كانت الجدوى الاقتصادية تسمح بذلك.
2. تعظيم العائد من السياحة
لا يتوقف تطوير السياحة على زيادة أعداد الزائرين فقط بل يتطلب أيضا زيادة متوسط الإنفاق السياحي ومدة الإقامة وتنويع المنتجات السياحية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الربط بين السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية وسياحة المؤتمرات والأحداث الرياضية والترفيهية مع تحسين جودة الخدمات والنقل والاتصالات والتجربة السياحية المتكاملة.
ومن المهم أن تتوسع الاستفادة المحلية من الإنفاق السياحي عبر زيادة مشاركة المشروعات الصغيرة والمتوسطة والموردين المحليين في سلاسل الإمداد الفندقية والسياحية. فكلما ارتفعت نسبة المكون المحلي في الخدمات والمنتجات المستخدمة داخل القطاع زادت القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني.
3. تحويل الخدمات الرقمية إلى صادرات
يمتلك الاقتصاد المصري فرصة لتعزيز صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات والتعهيد والخدمات المهنية والتصميم والبرمجيات والخدمات التعليمية والتدريبية العابرة للحدود. ويتطلب ذلك الاستثمار في المهارات الرقمية واللغات وربط التعليم باحتياجات الأسواق الدولية وتطوير البنية الأساسية للاتصالات وتحسين الأطر التنظيمية التي تسمح للشركات المصرية بتقديم خدماتها للعملاء في الخارج.
كما يمكن أن يسهم تطوير الخدمات التعليمية والتدريبية الدولية في تنويع مصادر الدخل من خلال جذب الطلاب والدارسين الوافدين وتقديم برامج تعليمية ومهنية ذات جودة تنافسية. وهذا المجال يربط بين الاستثمار في رأس المال البشري وتوليد النقد الأجنبي وتعزيز مكانة مصر مركزا إقليميا للتعليم والخدمات المعرفية.
4. زيادة كفاءة تحويلات المصريين بالخارج
تمثل تحويلات المصريين بالخارج موردا مهما للاقتصاد الوطني. ويمكن تعزيز مساهمتها عبر تطوير الخدمات المصرفية الرقمية وخفض تكاليف التحويل وتيسير الادخار والاستثمار بالعملات الأجنبية وفقا للأطر التنظيمية المعمول بها.
والهدف هنا ليس الضغط على المواطنين العاملين بالخارج أو تحميلهم مسؤوليات إضافية بل بناء أدوات مالية موثوقة وشفافة تتيح لهم خيارات ادخارية واستثمارية مناسبة وتدعم ارتباط مدخراتهم بفرص إنتاجية حقيقية داخل الاقتصاد المصري.
5. تعظيم العائد من الاستثمار الأجنبي المباشر
ينبغي ألا يقتصر تقييم الاستثمار الأجنبي على حجم التدفقات المالية المعلنة بل يمتد إلى ما يضيفه من طاقة إنتاجية وتكنولوجيا وخبرات إدارية وفرص عمل وصادرات وروابط مع الموردين المحليين.
ولهذا أقترح إعطاء أولوية للاستثمارات التي تسهم في إحلال الواردات الإنتاجية بكفاءة اقتصادية وتوسيع الصادرات ونقل التكنولوجيا وتدريب العمالة المصرية ورفع تنافسية المنشآت المحلية. ويجب في الوقت نفسه تجنب افتراض أن كل مشروع بديل للواردات يحقق وفرا صافيا من النقد الأجنبي إذ يتعين حساب احتياجاته من المعدات والخامات المستوردة وتكاليف التشغيل والتحويلات الخارجية والعائد المتوقع على مدى عمر المشروع.
إن المؤشر الأكثر فائدة هنا هو صافي الأثر الاقتصادي والاستثماري للمشروع على مدى زمني مناسب وليس حجم التمويل الأولي وحده.
ثالثا: الاستثمار والمناطق الاستثمارية من إتاحة الفرص إلى تحقيق النتائج
تمتلك مصر بنية أساسية ومناطق صناعية واستثمارية ومقومات جغرافية تسمح بتطوير مشروعات إنتاجية وخدمية في قطاعات متعددة. لكن الاستفادة الكاملة من هذه المقومات تتطلب الانتقال من منطق توفير الأراضي والمرافق إلى منطق بناء منظومة متكاملة للمناطق الاستثمارية ترتبط بالأسواق والعمالة والتمويل والخدمات اللوجستية والموردين المحليين.
وأقترح في هذا السياق تطوير خريطة استثمارية وطنية موحدة تتضمن بيانات محدثة عن الأراضي المتاحة والأنشطة المسموح بها وتكلفة المرافق والطاقة والنقل ومدى توافر العمالة والمهارات وفرص النفاذ إلى الموانئ والأسواق المحلية والخارجية. وينبغي أن تكون هذه الخريطة قابلة للبحث والمقارنة وأن توضح بجلاء الإجراءات المطلوبة والجهات المسؤولة والجدول الزمني المتوقع لكل خطوة.
ويجب ألا تتحول الخريطة الاستثمارية إلى مجرد قائمة بالمشروعات والفرص المعلنة بل ينبغي أن تصبح أداة لتوجيه الاستثمارات وفقا للأولويات الإنتاجية والميزة النسبية لكل محافظة أو منطقة.
1. تطوير المناطق الاستثمارية وفق تخصصات إنتاجية واضحة
يمكن أن تتخصص بعض المناطق في الصناعات الغذائية والتصنيع الزراعي وأخرى في الصناعات الهندسية ومكونات الإنتاج والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. ويحقق هذا التخصص مزايا اقتصادية مهمة منها تجميع الموردين وتقليل تكاليف النقل وتسهيل تدريب العمالة وتبادل الخبرات وتحسين فرص اندماج المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل القيمة.
ولا يعني التخصص إغلاق المناطق أمام الأنشطة الأخرى بل توجيه الاستثمار بما يحقق التكامل بين المشروعات ويقلل التنافس غير المنتج على الأراضي والمرافق والموارد العامة.
2. تطبيق مبدأ النافذة الواحدة الفعلية
إن تعدد الإجراءات والجهات وتكرار طلب المستندات يمثل تكلفة اقتصادية يتحملها المستثمر حتى عندما لا تظهر مباشرة في الرسوم الرسمية. ولذلك فإن تطوير الخدمات الرقمية ومنصات التراخيص والكيانات الاقتصادية وزيادات رؤوس الأموال يمثل خطوة مهمة إذا ارتبط بتوحيد البيانات وتحديد المسؤولية عن كل إجراء والالتزام بمدد زمنية معلنة.
وقد عرض الدكتور محمد فريد ضمن ملامح توجه وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية جهودا لتيسير إجراءات ممارسة الأعمال والتحول الرقمي ومعالجة التحديات التي تواجه تأسيس الشركات وتوسعها. والخطوة التالية المقترحة هي نشر مؤشرات دورية تبين متوسط زمن تأسيس المشروع والحصول على التراخيص وتوصيل المرافق وزيادة رأس المال وتسوية النزاعات الإجرائية.
فالتحسن الحقيقي في بيئة الأعمال ينبغي أن يكون قابلا للقياس من واقع تجربة المستثمر وليس فقط من خلال عدد المنصات الإلكترونية التي تم إطلاقها.
3. ربط الحوافز الاستثمارية بالأداء
أقترح أن تكون الحوافز محددة وواضحة ومتناسبة مع الأثر التنموي المتوقع لكل مشروع وأن ترتبط عند الاقتضاء بمؤشرات مثل الاستثمار المنفذ فعليا وعدد الوظائف الرسمية وصافي الصادرات والقيمة المضافة المحلية والتدريب ونقل التكنولوجيا.
كما ينبغي مراجعة الحوافز دوريا للتأكد من أنها تحقق عائدا اقتصاديا واجتماعيا يتناسب مع تكلفتها المالية. ويجب ألا تتحول المنافسة بين المناطق والمحافظات إلى سباق لتقديم إعفاءات غير مستدامة بل إلى منافسة على جودة الخدمات وتوافر العمالة المدربة وسرعة الإجراءات وكفاءة البنية الأساسية.
4. إتاحة الفرص للمشروعات الصغيرة والمتوسطة
لا يمكن بناء قاعدة إنتاجية واسعة بالاعتماد على المشروعات الكبرى وحدها. ولذلك فإن نجاح المناطق الاستثمارية يرتبط بقدرتها على استيعاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها موردين ومصنعين ومقدمي خدمات للمنشآت الكبرى.
ويتطلب ذلك تطوير برامج التمويل والضمانات والتأجير التمويلي والتخصيم وتسهيل حصول هذه المشروعات على الأراضي والخدمات الفنية وشهادات الجودة. كما يمكن تشجيع الشركات الكبرى على تطوير موردين محليين من خلال برامج تدريب وتأهيل تعاقدية واضحة.
والهدف هو أن يتحول الاستثمار الكبير إلى محرك لنمو شبكة من المنشآت المحلية لا إلى نشاط منفصل محدود الروابط ببقية الاقتصاد.
رابعا: وثيقة سياسة ملكية الدولة وتعظيم العائد من الأصول
يمثل تنظيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي أحد الملفات المؤثرة في قرارات الاستثمار وفي كفاءة تخصيص الموارد. وقد شهد عام 2026 طرح إصدار محدث من وثيقة سياسة ملكية الدولة للفترة 2026–2030 تحت عنوان تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر.
ومن المهم أن يرتبط تنفيذ الوثيقة بخطة واضحة تحدد طبيعة الدور الذي ستؤديه الدولة في القطاعات المختلفة والأنشطة التي تتطلب وجودا عاما لأسباب استراتيجية أو اجتماعية والأنشطة التي يمكن أن تتوسع فيها مشاركة القطاع الخاص وفقا لقواعد تنافسية واضحة.
ولا ينبغي النظر إلى إعادة تنظيم ملكية الأصول أو إتاحة بعضها للاستثمار باعتبارها غاية مالية منفصلة عن التنمية. فالمعيار الاقتصادي هو مدى تحسين كفاءة التشغيل وزيادة الإنتاجية وتطوير التكنولوجيا وتعزيز المنافسة وتحسين جودة الخدمات والعائد المتحقق للدولة والمجتمع.
وأقترح في هذا السياق إنشاء إطار معلن لمتابعة تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة يتضمن تصنيف الأصول والأنشطة وأهداف إعادة الهيكلة والجدول الزمني والمسؤوليات المؤسسية ومؤشرات الأداء. كما ينبغي أن يخضع تقييم كل عملية لإطار متكامل يوازن بين العائد المالي المباشر والآثار الاقتصادية طويلة الأجل.
ومن الضروري كذلك ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص والحياد التنافسي بين الشركات العامة والخاصة مع الحفاظ على حقوق العاملين ومراعاة الآثار الاجتماعية للتحولات المؤسسية.
إن تعظيم العائد من الأصول لا يتحقق بالضرورة من خلال بيعها وإنما قد يتحقق من خلال تحسين إدارتها أو إعادة هيكلتها أو إدخال شريك استراتيجي أو تطوير نموذج التشغيل أو توسيع قدرتها على التصدير. ويجب اختيار البديل الأنسب وفقا لطبيعة الأصل والقطاع والظروف السوقية والمصلحة الاقتصادية العامة.
خامسا: السياسة المالية وإدارة الدين وتوسيع الحيز المالي
تؤدي السياسة المالية دورا مركزيا في توفير الموارد اللازمة للتنمية مع الحفاظ على استدامة المالية العامة. وقد تناولت المناقشات الاقتصادية في المنتدى تنمية الموارد المحلية والدولارية وإدارة الدين وتعظيم العائد من الأصول وتوسيع الحيز المالي المتاح للإنفاق على التنمية البشرية والحماية الاجتماعية.
وفي هذا الإطار أعلن وزير المالية أحمد كجوك أن الحكومة تستهدف خفض دين أجهزة الموازنة إلى أقل من 70% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2030 كما عرض توجهات لتوسيع القاعدة الضريبية وتعظيم الإيرادات غير الضريبية دون فرض أعباء جديدة. وهذه المستهدفات تضع أمام التنفيذ ضرورة الموازنة بين الانضباط المالي وتوفير الموارد اللازمة للاستثمار والخدمات العامة.
ومن وجهة نظري فإن تطوير السياسة المالية ينبغي أن يرتكز على خمسة مسارات متكاملة.
أولا توسيع القاعدة الضريبية من خلال دمج الأنشطة غير الرسمية تدريجيا في الاقتصاد الرسمي وتبسيط الإجراءات وتطوير الخدمات الرقمية وتحسين الامتثال الضريبي مع تقليل الأعباء الإدارية على المنشآت الصغيرة والملتزمة.
ثانيا رفع كفاءة الإنفاق العام بحيث ترتبط الاعتمادات المالية بالنتائج الفعلية للخدمات والمشروعات وليس فقط بمعدلات الإنفاق أو استكمال الإجراءات الإدارية.
ثالثا تطوير إدارة الدين وفقا لآجال الاستحقاق وتكلفة التمويل ومخاطر إعادة التمويل والعملة مع نشر بيانات واضحة تسمح بتقييم تطور المؤشرات المالية على نحو دوري.
رابعا تعظيم العائد الاقتصادي من الأصول العامة من خلال الإدارة الاحترافية ورفع الكفاءة التشغيلية وتطوير نماذج الشراكة المناسبة مع القطاع الخاص.
خامسا توجيه الموارد المتاحة نحو الاستثمارات والخدمات التي تحقق عائدا اجتماعيا واقتصاديا مرتفعا مع الحفاظ على قدرة الدولة على تمويل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
وأرى أن تطبيق موازنة البرامج والأداء يمكن أن يمثل أداة مهمة لربط الإنفاق الحكومي بمؤشرات النتائج إذا جرى تصميمها بصورة عملية تحدد لكل برنامج هدفا واضحا ومؤشرات قابلة للتحقق ومسؤولا عن التنفيذ وتكلفة محددة وآلية لتقييم الأثر.
فالمطلوب ليس خفض الإنفاق في ذاته بل رفع كفاءته بحيث يحقق كل جنيه عام أكبر منفعة ممكنة للمواطن والاقتصاد.
سادسا: الطاقة وتكلفة الإنتاج وتنافسية الاقتصاد
تمثل الطاقة أحد المحددات المهمة لتنافسية الصناعة ولتوافر النقد الأجنبي ولقدرة الدولة على توفير الموارد اللازمة للتنمية. فارتفاع تكلفة الطاقة أو عدم استقرار إمداداتها ينعكس على تكلفة الإنتاج وأسعار السلع وقدرة المنشآت على التوسع والتصدير.
ومن هنا فإن التعامل مع ملف الطاقة يجب أن يرتبط بالبرنامج الوطني للتحول الاقتصادي من خلال رؤية متكاملة تجمع بين أمن الإمدادات وكفاءة الاستخدام والتوسع المدروس في الطاقة المتجددة وتطوير الشبكات وتحسين إدارة الطلب وتشجيع الاستثمار في أنشطة الطاقة ذات الجدوى الاقتصادية.
ويجب أن تراعي القرارات المتعلقة بالطاقة آثارها على القطاعات الإنتاجية وعلى الأسر وعلى القدرة التنافسية للصادرات. كما ينبغي التمييز بين الدعم الموجه إلى الاستخدامات غير الكفؤة وبين السياسات التي تحمي الفئات الأكثر احتياجا أو تساعد الأنشطة الإنتاجية على تجاوز اختناقات مؤقتة.
ومن المهم أيضا أن تتضمن متابعة قطاع الطاقة مؤشرات عن انتظام الإمدادات وتكلفة الطاقة بالنسبة للقطاعات الإنتاجية وكفاءة الاستهلاك ونسبة المكون المحلي وفرص التصدير والاستثمار المنفذ فعليا.
فكل تحسن مستدام في كفاءة الطاقة وتكلفتها يتيح للمنشآت المصرية فرصة أكبر للمنافسة ويفتح المجال أمام زيادة الإنتاج والصادرات وتقليل الاعتماد على بعض الواردات.
سابعا: كيف يشعر المواطن بنتائج البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرا عند تقييم كل محور من محاور البرنامج. فالمواطن لا يتعامل مع الاقتصاد من خلال جداول الناتج المحلي أو مؤشرات الدين وحدها بل من خلال قدرته على شراء احتياجات أسرته وتوفير تعليم جيد لأبنائه والحصول على خدمات صحية مناسبة وتأمين فرصة عمل مستقرة.
وقد أكد الدكتور حسين عيسى نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية أن تحسين مستوى معيشة المواطنين وجودة حياتهم يمثل الهدف الرئيسي للبرنامج. كما أشار الدكتور أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية إلى أهمية فرص العمل اللائقة والدخول المناسبة والخدمات الأفضل للمواطنين.
وهذه الرؤية تقتضي أن تكون الحماية الاجتماعية جزءا أصيلا من تصميم البرنامج وليست معالجة لاحقة لآثاره.
1. ربط النمو بزيادة الدخول الحقيقية
لا يكفي ارتفاع الأجور الاسمية إذا كانت الأسعار ترتفع بمعدلات أسرع. ولذلك ينبغي متابعة نمو الأجور الحقيقية ومقارنته بتكلفة سلة السلع والخدمات الأساسية ومعدلات التضخم التي تتحملها الفئات المختلفة.
كما ينبغي أن يرتبط خلق فرص العمل بزيادة الإنتاجية وتطوير المهارات وتحسين شروط التشغيل والتوسع في العمل الرسمي. فالوظيفة المنتجة التي توفر دخلا مناسبا واستقرارا مهنيا تحقق عائدا اجتماعيا أكبر من التوسع في وظائف منخفضة الإنتاجية أو غير مستقرة.
2. تطوير الحماية الاجتماعية بصورة أكثر استهدافا
ينبغي تطوير برامج الحماية الاجتماعية استنادا إلى بيانات محدثة عن الدخول والاحتياجات والظروف المعيشية مع مراجعة كفاءة وصول الدعم إلى مستحقيه. ويمكن الجمع بين التحويلات النقدية والخدمات الأساسية والتدخلات التي تساعد الأسر القادرة على العمل على اكتساب المهارات والوصول إلى فرص التشغيل.
ويجب ألا ينظر إلى الإنفاق على الحماية الاجتماعية باعتباره عبئا ماليا فقط بل باعتباره استثمارا في الاستقرار الاجتماعي وفي قدرة الأسر على مواجهة الصدمات وفي حماية رأس المال البشري.
وفي الوقت نفسه يجب أن تخضع البرامج لتقييم دوري يقيس مدى وصولها إلى المستحقين وتطور مستويات الفقر والهشاشة ومقدار ما توفره من حماية فعلية للقوة الشرائية.
3. تحسين خدمات التعليم والصحة
تحتاج التنمية الاقتصادية إلى قوة عمل مؤهلة وصحية وقادرة على التكيف مع التغيرات التكنولوجية. ولذلك فإن الاستثمار في التعليم والتدريب والصحة ليس ملفا اجتماعيا منفصلا عن الاقتصاد بل أحد شروط رفع الإنتاجية وجذب الاستثمارات.
ويتعين ربط برامج التعليم الفني والجامعي باحتياجات القطاعات الإنتاجية المستهدفة وتوسيع التدريب التطبيقي والشراكات بين المؤسسات التعليمية وأصحاب الأعمال. كما ينبغي تطوير منظومة الرعاية الصحية وتحسين كفاءة تقديم الخدمة والإنفاق المخصص لها.
والأهم أن يقاس نجاح هذه السياسات بجودة الخدمة وإمكانية الوصول إليها وتكلفتها على الأسر وليس فقط بعدد المنشآت أو البرامج التي تم إطلاقها.
4. حماية الأمن الغذائي والمائي
تتطلب التغيرات العالمية والمخاطر المناخية والضغوط على الموارد الطبيعية إعطاء أولوية لكفاءة استخدام المياه وتقليل الفاقد في سلاسل الإمداد الزراعية وتحسين التخزين والتوزيع وتطوير نظم المعلومات المتعلقة بالأسواق.
كما ينبغي بناء آليات متابعة مبكرة لتغيرات أسعار السلع الأساسية وتحديد أسباب الارتفاع سواء كانت مرتبطة بالتكاليف أو الإنتاج أو النقل أو المنافسة أو اضطرابات الإمداد. ويجب أن تتعامل السياسات مع أسباب المشكلة بقدر ما توفر الحماية للفئات المتضررة منها.
5. قياس أثر السياسات على الأسرة المصرية
أقترح تطوير مؤشر دوري مبسط لجودة الحياة الاقتصادية للأسرة يتابع تطور القوة الشرائية وتكلفة الاحتياجات الأساسية وتوافر فرص العمل وجودة الخدمات ومستوى الحماية الاجتماعية. وينبغي أن تكون نتائج هذا المؤشر متاحة للمواطنين وموزعة جغرافيا وفقا للمحافظات والفئات الاجتماعية.
فإذا كان البرنامج يستهدف تحسين جودة الحياة فيجب أن تكون هذه الجودة قابلة للقياس والمراجعة والمقارنة بين الفترات الزمنية المختلفة.
ثامنا: توطين التنمية في المحافظات وربط الاستثمار بالتشغيل المحلي
من الضروري ألا تتركز ثمار التحول الاقتصادي في عدد محدود من المناطق أو القطاعات. فتفاوت فرص الاستثمار والتشغيل بين المحافظات قد يؤدي إلى انتقال العمالة والسكان بصورة تضغط على المدن الكبرى وتترك بعض المناطق دون استغلال كاف لمقوماتها الاقتصادية.
وأقترح أن تتضمن الخارطة الوطنية للتحول الاقتصادي خريطة تفصيلية للمزايا النسبية لكل محافظة ترتبط بفرص الاستثمار المتاحة وتوافر الموارد والعمالة والبنية الأساسية والروابط مع الأسواق.
فبعض المحافظات قد تمتلك فرصا أوسع في التصنيع الزراعي والصناعات الغذائية بينما تتميز مناطق أخرى بمقومات السياحة أو الخدمات اللوجستية أو الصناعات الهندسية أو الخدمات الرقمية.
ويجب أن ترتبط المشروعات الاستثمارية ببرامج محلية للتدريب والتشغيل وتطوير الموردين بحيث يستفيد السكان من فرص العمل الجديدة ويستطيعون اكتساب المهارات التي تحتاج إليها المنشآت.
كما ينبغي أن يكون للتعاون بين الجامعات ومؤسسات التدريب والقطاع الخاص دور أكبر في تحديد احتياجات سوق العمل وتطوير برامج تأهيل قصيرة ومتخصصة. ويمكن للجامعات أن تسهم في دراسات الجدوى والتقييم الاقتصادي للمشروعات وتحليل الأسواق وتطوير الحلول التكنولوجية بما يعزز الصلة بين البحث العلمي والتنمية المحلية.
إن توطين التنمية لا يعني توزيع المشروعات جغرافيا بصورة شكلية وإنما اختيار مواقعها وفقا للجدوى الاقتصادية مع ضمان أن تمتد آثارها الإيجابية إلى المجتمعات المحلية المحيطة بها.
تاسعا: حوكمة التنفيذ وتحويل التوصيات إلى التزامات قابلة للقياس
إن كثرة المستهدفات لا تضمن وحدها نجاح البرامج الاقتصادية. فقد تتعدد المبادرات وتتشابك الاختصاصات وتتأخر بعض الإجراءات بسبب ضعف التنسيق أو غياب المساءلة أو عدم وضوح الأولويات.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية للبرنامج الوطني للتحول الاقتصادي ستتحدد بمدى نجاح منظومة التنفيذ في تحويل الأهداف إلى إجراءات محددة ومسؤوليات واضحة ومواعيد معلنة ونتائج يمكن التحقق منها.
وأقترح في هذا الصدد اعتماد إطار تنفيذي يتضمن العناصر التالية:
أولا: تحديد مسؤولية كل جهة
يجب أن يرتبط كل مستهدف بجهة مسؤولة عن التنفيذ وجهات مساندة وجدول زمني ومؤشرات أداء واضحة. وينبغي أن يكون هناك تحديد مسبق للقرارات التي تتطلب تنسيقا بين أكثر من وزارة وآلية لحسم التعارضات الإجرائية.
ثانيا: إعداد خط أساس معلن
لا يمكن قياس التقدم دون تحديد الوضع الذي تبدأ منه المتابعة. ولذلك ينبغي نشر القيم الأساسية للمؤشرات قبل بدء التنفيذ مع تحديد مصادر البيانات ودورية التحديث والمنهجية المستخدمة في الحسابات؟
ثالثا: تقسيم التنفيذ إلى مراحل زمنية
يمكن تقسيم البرنامج إلى إجراءات عاجلة لإزالة الاختناقات المؤسسية والإجرائية ثم إجراءات متوسطة الأجل لتوسيع الطاقة الإنتاجية والاستثمار والصادرات ثم إصلاحات طويلة الأجل تستهدف رفع الإنتاجية وجودة التعليم والمهارات والتكنولوجيا.
ويجب أن تتكامل هذه المراحل بدلا من أن تعمل بصورة منفصلة.
رابعا: نشر لوحة متابعة دورية
أقترح نشر لوحة متابعة ربع سنوية تعرض التقدم المحقق في المستهدفات الأساسية وتوضح ما تم تنفيذه وما تأخر وأسباب التأخير والإجراءات التصحيحية المقترحة.
ولا ينبغي أن تقتصر المتابعة على عرض الإنجازات بل يجب أن تتضمن أيضا تفسير الفجوات بين المستهدف والمتحقق بما يسمح بتصحيح المسار في الوقت المناسب.
خامسا: تقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي
ينبغي ألا يتوقف تقييم المشروعات عند اكتمال التنفيذ أو الالتزام بالتكلفة الزمنية والمالية بل يمتد إلى قياس أثرها على الإنتاجية والتشغيل والصادرات وجودة الخدمات والدخل الحقيقي للمواطنين.
كما ينبغي الاستفادة من الجامعات ومراكز البحوث والخبراء المستقلين في إجراء تقييمات موضوعية للسياسات والبرامج الكبرى مع إتاحة النتائج للرأي العام.
سادسا: إشراك المواطن والقطاع الخاص
يجب أن تستمر قنوات الحوار التي أتاحها المنتدى بعد انتهاء فعالياته من خلال آليات واضحة لتلقي الملاحظات والشكاوى والمقترحات ومتابعة الاستجابة لها. كما ينبغي إتاحة الفرصة للمستثمرين والعاملين والمشروعات الصغيرة والمتوسطة لعرض العقبات التي تواجه التنفيذ بصورة منتظمة.
فالمشاركة المجتمعية ليست مجرد وسيلة للتواصل بل أداة لتحسين المعلومات التي تستند إليها القرارات الاقتصادية واكتشاف المشكلات قبل تحولها إلى اختناقات واسعة.
عاشرا: خارطة عمل مقترحة للمرحلة المقبلة
لضمان أن تتحول الرؤى المطروحة إلى نتائج عملية أقترح تنظيم التنفيذ في ستة مسارات مترابطة:
المسار الأول: خلال المائة يوم الأولى من بدء التنفيذ
تحديد خط الأساس للمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وإعلان المسؤوليات المؤسسية ومراجعة الإجراءات الأكثر تأثيرا في تكلفة الاستثمار وزمن الحصول على التراخيص وتحديد القطاعات والمشروعات ذات الأولوية.
المسار الثاني: خلال العام الأول
تفعيل الخريطة الاستثمارية وربطها بالمناطق الصناعية واللوجستية وتطوير منصات الخدمات الحكومية وبدء نشر تقارير دورية عن زمن الإجراءات وتقدم المشروعات ومؤشرات التشغيل والصادرات.
المسار الثالث: توسيع الإنتاج والصادرات
إطلاق برامج قطاعية تستهدف منتجات وأسواقا محددة وتطوير سلاسل الإمداد المحلية وزيادة كفاءة التصنيع الزراعي والصناعي وتسهيل حصول المصدرين على الخدمات التمويلية واللوجستية والفنية.
المسار الرابع: تطوير التمويل والاستثمار
توسيع أدوات التمويل المتاحة للمشروعات المنتجة ودعم ضمانات التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وتحسين آليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص مع إخضاع المشروعات لتقييمات اقتصادية ومالية واضحة.
المسار الخامس: حماية المواطن وتعزيز رأس المال البشري
متابعة القوة الشرائية للأسر وتطوير استهداف برامج الحماية الاجتماعية وتحسين كفاءة خدمات التعليم والصحة وربط التدريب بفرص التشغيل الفعلية في القطاعات والمناطق المستهدفة.
المسار السادس: المراجعة والتقييم المستمر
إصدار تقارير ربع سنوية عن التنفيذ وتقييم سنوي للأثر الاقتصادي والاجتماعي ومراجعة السياسات التي لا تحقق نتائجها المستهدفة وتوجيه الموارد إلى البرامج الأكثر فاعلية.
وهذه المراحل تمثل مقترحا تنفيذيا قابلا للتطوير وليست جدولا زمنيا معلنا من الحكومة. وينبغي تحديد المدد النهائية وفقا لخط الأساس الذي ستعتمده الجهات المختصة ولطبيعة كل إجراء وقدرات التنفيذ المتاحة.
خاتمة: نجاح البرنامج يبدأ عندما يشعر المواطن بالفرق
إن البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي يمثل فرصة لبناء مرحلة جديدة من التنمية تقوم على تكامل الاستقرار الاقتصادي والإصلاح الهيكلي وتمكين القطاع الخاص وتعظيم الإنتاجية وتحسين جودة الحياة. لكن نجاح هذه المرحلة لن يتحدد بمجرد عدد الإجراءات أو حجم الاستثمارات المعلنة أو تحسن المؤشرات الكلية في فترة زمنية محددة.
إن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي من مصادر إنتاجية مستدامة وتوسيع قاعدة التصدير وجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة ورفع كفاءة الأصول العامة وتطوير المناطق الاستثمارية وتحسين إدارة الموارد المالية للدولة.
ويتكامل ذلك مع ضرورة أن تتحول ثمار النمو إلى فرص عمل لائقة ودخول حقيقية أفضل وخدمات عامة أكثر كفاءة وحماية اجتماعية تصل إلى مستحقيها.
ومن هنا فإن الرسالة الأساسية التي أرى ضرورة أن تحملها المرحلة المقبلة هي أن التحول الاقتصادي لا ينبغي أن يكون مجرد تحول في المؤشرات بل تحولا في قدرة الاقتصاد على الإنتاج وفي قدرة الدولة على إدارة مواردها وفي قدرة المواطن على الاستفادة من نتائج التنمية.
فالمستثمر يحتاج إلى قواعد واضحة وإجراءات سريعة ومنافسة عادلة وتمويل مناسب. والعامل يحتاج إلى فرصة عمل منتجة وأجر يحفظ كرامته ويتيح له التقدم. والأسرة تحتاج إلى استقرار الأسعار وخدمات جيدة وحماية من الصدمات. والشاب يحتاج إلى تعليم ومهارات وفرص حقيقية للمشاركة في النشاط الاقتصادي.
وعندما تتكامل هذه الاحتياجات في إطار سياسة اقتصادية واحدة يصبح النمو أكثر ارتباطا بالتنمية الشاملة وتصبح زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمارات وسيلة لتحسين حياة الناس وليس مجرد غاية رقمية مستقلة.
لقد أتاح منتدى مصر 2026 مساحة مهمة للحوار ومراجعة السياسات وطرح الأفكار والتوصيات. وتتمثل الخطوة التالية في تحويل هذا الحوار إلى التزامات تنفيذية محددة ومؤشرات معلنة وآليات للمراجعة والمساءلة والتصحيح.
فالنجاح الحقيقي للبرنامج الوطني للتحول الاقتصادي لن يقاس فقط بما يحققه الاقتصاد من نمو أو بما يجذبه من استثمارات أو بما يولده من نقد أجنبي بل بقدرته على أن يجعل المواطن يشعر بأن هذا التحول يفتح أمامه فرصا أفضل للعمل والحياة وأن الموارد التي يولدها الاقتصاد تتحول إلى تنمية يلمس أثرها في منزله ومدرسته ومستشفاه ومكان عمله.
وهنا فقط يمكن أن ننتقل من إعلان برنامج اقتصادي جديد إلى بناء مسار تنموي مستدام تتكامل فيه كفاءة الاقتصاد مع العدالة الاجتماعية وتتحول فيه الرؤى إلى نتائج ملموسة والأهداف إلى إنجازات قابلة للقياس والأرقام إلى تحسن حقيقي في حياة المواطنين.
الكاتب.. أستاذ الاقتصاد ومستشار رئيس الجامعة للسياسات والشؤون الاقتصادية ومدير برامج كلية التجارة جامعة الزقازيق الأهلية