رائد الديب يكتب: حين تسقط الأقنعة وتنكشف الوجوه!
قيل قديما: جــزى الله الشدائد كل خير عرفت بها عدوي من صــديقي.. ومن خلال تلك الشدائد تعرف أنها ليست دائما محنة، وليست كل الأوجاع خسارة، فبعض السقوط نجاة، وبعض الخذلان بصيرة، وبعض الصدمات هدايا قاسية يمنحها لنا القدر لنرى ما عجزنا عن رؤيته في أيام الرخاء.
ففي أوقات الهدوء، يسهل على الجميع ارتداء ثياب الوفاء، وتتزاحم الكلمات الجميلة على الألسنة، ويصبح الحب شعارا، والإخلاص ادعاء، والصداقة وعودا لا تنتهي، لكن حين تضيق الطرق، وتشتد العواصف، وتغلق الأبواب، لا يبقى في المشهد سوى الحقيقة، عارية من الزينة، بلا مساحيق أو أقنعة.. هناك، في اللحظة التي تحتاج فيها إلى يد تمتد لتنقذك، ستكتشف أن بعض الأيدي التي صفقت لك طويلا لم تكن يوما مستعدة لمساعدتك، وأن بعض الأصوات التي ملأت أذنيك بكلمات الدعم لم تكن سوى صدى لمصلحة عابرة، وأن وجوها منحتها مكانة في قلبك لم تكن تستحق حتى مساحة صغيرة في ذاكرتك؛ عندها لا تسقط الأقنعة وحدها، بل تسقط معها أوهام كثيرة بنيتها على الثقة وحسن الظن، وتكتشف أن ما حسبته صداقة راسخة لم يكن سوى علاقة مؤقتة انتهت بانتهاء أسبابها.
وما أقسى أن يأتيك الطعن من الجهة التي كنت تحتمي بها، وأن يتحول من ظننته سندا إلى عبء، ومن اعتقدت أنه يحفظ غيابك قبل حضورك إلى أول من يسيء إليك حين تغيب، ومن حسبته شريكا في الطريق إلى منافس ينتظر تعثرك ليعبر فوق جراحك.. فالخذلان الحقيقي لا يأتي من عدو تعرف نواياه، بل من صديق منحته الأمان، وائتمنته على أسرارك، وظننت أن الأيام مهما قست لن تغير مكانتك في قلبه.
لكن الشدائد لا تصنع الخيانة، وإنما تكشفها، والمواقف لا تغير حقيقة البشر بقدر ما تزيح الستار عنها، فهناك من كان يخفي وراء ابتسامته حسابات، وخلف كلماته مصالح، وتحت مظاهر الوفاء رغبة في الحصول على ما تستطيع تقديمه.. فإذا توقفت عطاياك، أو تعثرت خطواتك، أو أصبحت حاجتك إليه أكبر من حاجته إليك، انفضح ما كان مستورا، وظهر الفرق بين من أحبك لشخصك ومن اقترب منك لما تملكه أو تمثله.
لهذا، لا تبحث عن حقيقة الناس في أحاديثهم، بل في أفعالهم، ولا تقيس مكانتك عندهم بحجم كلماتهم، بل بما يفعلونه حين تصبح عاجزا عن تقديم شيء لهم.. انظر إلى من يقف بجانبك حين تخسر، ومن يحفظ غيبتك حين تغيب، ومن يرفض استغلال ضعفك حين تكون في أمس الحاجة إلى الإنصاف.. ففي الرخاء يتشابه الجميع، أما في الشدة فتتباين المعادن، ويظهر الأصيل من المزيف، ويصبح الصمت أحيانا أصدق من ألف وعد.
والأهم ألا تسمح لمن خذلك أن يحول قلبك إلى ساحة شك دائمة، أو أن يجعلك تعاقب الصادقين بجريرة الكاذبين.. ليس المطلوب أن تغلق أبوابك في وجه الجميع، بل أن تتعلم لمن تفتحها، وألا تمنح ثقتك بلا وعي، ولا تجعل طيبة قلبك تصريحا مفتوحا لاستغلالك.. فالنضج ليس أن تفقد إيمانك بالناس، وإنما أن تعرف أن الثقة تُبنى بالمواقف، وأن المحبة لا تعني الغفلة، وأن التسامح لا يفرض عليك إعادة من آذاك إلى المكانة نفسها.
في النهاية، ستدرك أن بعض الخسارات كانت إنقاذا، وأن بعض النهايات كانت بداية لرؤية أكثر وضوحا، وأن الذين سقطوا من عينيك لم يسقطوا لأنك تغيرت، بل لأن الحقيقة وجدت أخيرا طريقها إليك.. فلا تحزن كثيرا على قناع انكسر، ولا تأسف على وجه انكشف، ولا تندم على يد امتدت إليك ثم تخلت عنك؛ فقد يكون الألم الذي تركته في قلبك هو الثمن الذي دفعته لتعرف من يستحق أن يبقى.. فالشدائد، مهما أوجعتنا، لا تأخذ منا دائما ما نحب؛ أحيانا تنتزع من أعيننا الغشاوة، وتعيد إلينا بصيرتنا، وتمنحنا فرصة نادرة لنرى الناس على حقيقتهم.. قبل أن نمضي معهم بقية الطريق.