إعلام يصنع الطفل.. دعوة عربية للانتقال من التلقي إلى المشاركة وصناعة المحتوى
لم يعد السؤال عن مستقبل إعلام الأطفال العربي مجرد قضية ثقافية أو إعلامية، وإنما أصبح سؤالًا مرتبطًا بتشكيل وعي الأجيال الجديدة وهويتها وقدرتها على التفكير والاختيار في ظل عالم رقمي مفتوح تتدفق فيه آلاف الرسائل والمحتويات يوميًا.
وفي السياق ذاته، نظمت لجنة الشؤون الإعلامية والاتصالية بالمنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي ندوة فكرية بعنوان «أين اختفى إعلام الأطفال العربي؟ كيف نستعيد إعلامًا يصنع طفلًا واعيًا؟»، برئاسة أ.د. حنان يوسف، رئيسة المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي والاتحاد العربي للإعلام والثقافة، وإدارة د. نهال يوسف، نائب رئيس لجنة الشؤون الإعلامية والاتصالية ورئيسة وحدة العمل التنفيذي.
وجاءت الندوة تحت شعار «إعلام يصنع الطفل.. لا يكتفي بمشاهدته»، وناقشت واقع إعلام الأطفال العربي، وأسباب تراجع حضوره، والتحديات التي فرضتها المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب البحث عن آليات جديدة لإنتاج محتوى عربي قادر على الوصول إلى الطفل والتأثير فيه، مع الحفاظ على هويته وثقافته.
حنان يوسف: الطفل أمانة.. وإعلامه قضية تتجاوز حدود الترفيه
أكدت الدكتورة حنان يوسف أن الطفل يمثل أمانة ونواة أساسية لمستقبل العالم العربي، مشيرة إلى أن انشغال المجتمعات بقضايا السياسة والاقتصاد واهتمامات الكبار أدى في أحيان كثيرة إلى تراجع الاهتمام بقضايا الطفل واحتياجاته الإعلامية والثقافية.
وحذرت من التأثير المتزايد للمحتوى الإعلامي القادم من الخارج، والذي يصل إلى الطفل العربي بسهولة عبر المنصات الرقمية، مؤكدة أن التعامل مع هذه الظاهرة لا ينبغي أن يكون من خلال الانغلاق أو رفض الآخر، وإنما عبر إنتاج محتوى عربي قوي وجذاب يستطيع المنافسة والتأثير.
وطرحت تساؤلًا أساسيًا حول حقيقة اختفاء إعلام الأطفال العربي، وما إذا كانت المشكلة في غياب المحتوى، أم في ضعف الدعم والتطوير للتجارب العربية القائمة، وعدم قدرتها على مواكبة التحولات التكنولوجية واحتياجات طفل العصر الرقمي.
وأكدت أن استعادة إعلام الطفل تتطلب رؤية جديدة تتعامل مع الطفل باعتباره صاحب عقل ووعي وقدرة على الاختيار، وليس مجرد مستهلك للمحتوى.
وفتحت الدكتورة نهال يوسف باب النقاش حول علاقة الطفل العربي بالمحتوى الإعلامي المعاصر، متسائلة: هل يجد الطفل نفسه في هذا المحتوى؟ وهل يجد من يخاطب فضوله ويحترم عقله وقدرته على التفكير والاختيار؟
وأكدت أن التحولات المتسارعة في وسائل الإعلام لا تعني فقط تغيير أدوات الإنتاج، وإنما تستدعي إعادة النظر في مضمون إعلام الطفل وطريقة تقديمه، وكذلك في الدور الذي يمكن أن يؤديه الطفل نفسه في صناعة الرسالة الإعلامية.
وأشارت إلى أن الطفل لم يعد مجرد متلقٍ ينتظر ما تقدمه له الشاشة، وإنما أصبح قادرًا على البحث والاختيار والتفاعل، بل وصناعة المحتوى ونشره.
وفي محور «محتوى إعلام الطفل بين حرفية الصانع وإدراك المتلقي»، أكد أ. حسين الزناتي، رئيس تحرير مجلة «علاء الدين» ونائب رئيس تحرير جريدة الأهرام ووكيل نقابة الصحفيين المصريين، أن نجاح الرسالة الإعلامية يبدأ من صانعها.
وأوضح أن صانع محتوى الأطفال يجب أن يمتلك خبرة مهنية حقيقية ومعرفة بطبيعة الطفل ومراحل نموه واهتماماته، إلى جانب القدرة على التعامل مع أدوات الإعلام الرقمي.
واستعرض الزناتي جانبًا من تجربته في مجلة «علاء الدين» منذ عام 1993، مؤكدًا أن هذه التجربة أثبتت أن الطفل ليس متلقيًا بسيطًا، وأن طفل اليوم أصبح أكثر وعيًا وقدرة على الاختيار، وبالتالي لن يتفاعل مع محتوى لا يحترم عقله.
وانتقد النظر إلى إعلام الأطفال باعتباره أقل أهمية من الإعلام السياسي والاقتصادي، مؤكدًا أن هذا المجال يحتاج إلى كوادر متخصصة تجمع بين الصحافة وأدب الطفل وعلم النفس والجوانب الاجتماعية، إلى جانب امتلاك أدوات الإعلام الرقمي.
وشدد على أهمية النزول إلى الطفل في أماكن وجوده، من خلال المدارس والأندية والمتاحف والورش والفعاليات، والاستماع إليه لمعرفة اهتماماته الحقيقية.
ودعا إلى الدمج بين الإعلام المطبوع والمنصات الرقمية مثل «يوتيوب» و«تيك توك» و«فيسبوك»، محذرًا من ترك الطفل العربي أمام محتوى أجنبي دون توفير بديل عربي قوي.
وأكد أن حماية عقل الطفل ووجدانه ليست قضية إعلامية فقط، وإنما ترتبط بالأمن القومي العربي ومستقبل المجتمعات، داعيًا إلى تعاون عربي حقيقي والاستفادة من التجارب التي صنعت وجدان أجيال سابقة، مثل «علاء الدين» و«ماجد» و«سمير».
وتناولت الإعلامية منى حجاب، الصحفية والإعلامية والباحثة وصانعة الأفلام القصيرة والناقدة، محور «تنوع وتطور وسائل الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي»، موضحة أن البيئة الإعلامية انتقلت من الراديو والسينما والمجلات إلى المنصات الرقمية والأجهزة الذكية.
وأكدت أن الطفل يعيش اليوم وسط بيئة إعلامية مفتوحة ومتعددة المصادر، وأن بعض المحتوى الموجه إليه قد تحكمه اعتبارات تجارية أو سياسية، وهو ما يجعل الحاجة إلى محتوى عربي هادف أكثر إلحاحًا.
ودعت إلى الانتقال من التلقين إلى تمكين الطفل من التعبير والإبداع وصناعة المحتوى، من خلال الرسوم المتحركة والبودكاست والألعاب التعليمية والمنصات التفاعلية، مع توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج أدوات وشخصيات قادرة على التواصل مع الأطفال بصورة أكثر جذبًا وتأثيرًا.
وفي محور «من إعلام للطفل إلى إعلام مع الطفل»، أكدت د. شيماء خضرة من المملكة المغربية ضرورة تغيير النظرة التقليدية إلى الطفل داخل العملية الإعلامية.
وأوضحت أن الطفل يجب ألا يكون مجرد مستقبل للرسائل التي يصنعها الكبار، وإنما شريكًا في اختيار الموضوعات وطرح الأفكار والمشاركة في صناعة المحتوى وفقًا لعمره وقدراته.
وشددت على أن مشاركة الأطفال يجب أن تتم في إطار آمن ومسؤول، مع حمايتهم من الاستغلال التجاري والتنمر والتشهير، والحفاظ على سلامتهم النفسية وخصوصيتهم.
كما أكدت أهمية التربية الإعلامية والرقمية وتعليم الأطفال التفكير النقدي، وتمكينهم من التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة وفهم طبيعة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
وقدمت سماح عطية، الصحفية بمجلة أكتوبر ومقررة لجنة الشؤون الإعلامية والاتصالية، رؤية عملية لتطوير إعلام الأطفال، تمثلت في إنشاء «نوادي الإعلام الصغير» داخل المدارس وقصور الثقافة والأندية.
وأوضحت أن هذه النوادي يمكن أن تقدم للأطفال تدريبًا مبسطًا على الصحافة والتصوير وصناعة الفيديو والبودكاست، بما ينقلهم من موقع المتلقي إلى موقع المشارك وصانع المحتوى.
كما طرحت فكرة إنشاء «حضانات للإعلام العربي» تستثمر في إعلام الطفل باعتباره أحد مجالات التنمية المستدامة وحماية الأجيال المقبلة من التشتت الثقافي.
ودعت إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج شخصيات عربية تفاعلية، مثل نموذج «الجدة الراوية»، لتقديم القصص والقيم والتراث والهوية العربية بطريقة حديثة وجذابة تتناسب مع طبيعة الطفل في العصر الرقمي.
وشهدت الندوة عددًا من المداخلات التي أثرت النقاش حول مستقبل إعلام الطفل.
وأكدت الدكتورة منى الحديدي عضو المجلس الاعلي لتنظيم الإعلام علي أهمية مراعاة المرحلة العمرية للطفل وتدرج نموه النفسي والوجداني، إلى جانب تحقيق الشراكة بين الإعلام المهني وإعلام الهواة لإنتاج محتوى يجمع بين المتعة والمنفعة.
كما أكدت أهمية القراءة وثقافة الكتاب ودور الأسرة والمجتمع في تقديم القدوة والنموذج للطفل.
وتناول الدكتور صخرة الخصاونة، مستشار قانوني التأثيرات الخارجية وبعض التطبيقات الخطرة، مؤكدًا أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في اختيار المحتوى المناسب ومتابعة ما يتعرض له الطفل وحماية سلامته النفسية والقانونية.
وأشار زياد عبد التواب من مصر إلى ضرورة الوصول إلى الأطفال داخل المساحات الرقمية التي يتواجدون فيها بالفعل، مثل «تيك توك» و«سناب شات» والتطبيقات التفاعلية والألعاب الإلكترونية، بدل الاكتفاء بمحاولة حمايتهم من خارج هذه البيئة.
وركزت إحدى المداخلات على أهمية تقديم التاريخ والحضارة المصرية والعربية بأسلوب قصصي جذاب، وإنتاج برامج تشرك الأطفال والمراهقين وتربطهم بالرموز الوطنية بصورة قريبة من اهتماماتهم.
ومن المغرب، شددت د. سناء الورياشي على أهمية تهيئة البيئة القانونية والاجتماعية والتعليمية وتوعية أولياء الأمور قبل إشراك الأطفال في صناعة المحتوى، لضمان سلامة هذه المشاركة ومسؤوليتها.
المنظمة العربية توصي بمشروع عربي موحد لإعلام الطفل
خلصت المناقشات إلى أن استعادة إعلام الأطفال العربي تحتاج إلى تحرك مؤسسي عربي يتجاوز حدود كل دولة، ويجمع بين الخبرة الإعلامية والتربوية والثقافية والتكنولوجية.
ودعا المشاركون إلى إطلاق مشروع عربي موحد لإعلام الطفل يجمع بين الهوية العربية وأدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التوسع في برامج التربية الإعلامية والرقمية وتدريب الأطفال على التفكير النقدي.
كما تضمنت التوصيات إنشاء نوادٍ وحاضنات للإعلام الصغير، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات الصحفية والتعليمية والثقافية، ودعم المبدعين في مجال محتوى الأطفال، وإعادة تقديم التجارب العربية الناجحة بأدوات العصر ومنصاته الجديدة.
وأكدت الندوة أن استعادة إعلام الأطفال العربي لا تعني العودة إلى الماضي، وإنما الاستفادة من التجارب التي صنعت ذاكرة أجيال سابقة وإعادة تقديمها بلغة العصر وأدواته.
فالمنافسة لم تعد بين مجلة وبرنامج تلفزيوني فقط، وإنما بين محتوى عربي وآلاف المنصات والشاشات والخوارزميات التي تخاطب الطفل على مدار الساعة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من إعلام يتحدث عن الطفل إلى إعلام يستمع إليه ويشاركه، ومن طفل مستهلك للمحتوى إلى طفل قادر على إنتاجه والتعبير عن نفسه من خلال أدوات آمنة وواعية.
وتبقى الرسالة الأهم التي خرجت بها الندوة أن حماية عقل الطفل العربي ووجدانه وهويته لا تبدأ بمنع المحتوى فقط، وإنما بصناعة بديل عربي قوي وجذاب ومبدع يستطيع أن ينافس المحتوى العالمي، ويصل إلى الطفل بلغته، ويحترم عقله، ويمنحه مساحة للتفكير والمشاركة والإبداع.


