رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

بين مطرقة البحر الأسود وسندان البحر الأحمر.. كيف تدير مصر أزمة الحبوب والملاحة؟

كيف تدير مصر أزمة
كيف تدير مصر أزمة الحبوب والملاحة؟

الحبوب والملاحة.. تجد الدولة المصرية نفسها أمام اختبار مزدوج تفرضه الجغرافيا السياسية؛ حيث تتقاطع تداعيات التصعيد العسكري في حوض البحر الأسود مع استمرار التوترات الملاحية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مما يشكل ضغطاً مركباً على فاتورة تأمين السلع الاستراتيجية كـ(القمح، الذرة، والزيوت) من جهة، وعلى التدفقات النقدية السيادية الآتية من عوائد قناة السويس من جهة أخرى.

وتكشف قراءة حركة تجارة الحبوب والملاحة خلال الأشهر الأخيرة من عام 2026 عن استراتيجية استباقية مزدوجة تنتهجها القاهرة: تعتمد الأولى على تنويع جغرافي غير مسبوق لمناشئ الحبوب لكسر الاحتكار الجغرافي للبحر الأسود، بينما ترتكز الثانية على تحويل الضغوط الملاحية إلى فرص استثمارية عبر تفعيل «الجسر اللوجستي البري» لخدمات الترانزيت والتخزين لربط الشرق بالغرب.

البحر الأسود.. استنفار لتأمين رغيف الخبز وبدائل الشحن البعيد الحبوب

أدى استهداف البنية التحتية لتصدير الحبوب بميناء «نوفوروسيسك» الروسي عبر المسيرات الأوكرانية إلى تعليق غالبية المحطات لعملياتها، مما عمق المخاوف بشأن سلاسل الإمداد:

تراجع واردات الأشهر الأخيرة: بالرغم من قفزة واردات القمح بنسبة 48% خلال النصف الأول من عام 2026 لتسجل 7.7 ملايين طن، أظهرت بيانات الأشهر التالية تراجعاً لافتاً مقارنة بالعام الماضي؛ حيث سجل شهر يونيو وصول 500 ألف طن (مقابل 820 ألفاً)، ويوليو 350 ألف طن (مقابل 840 ألفاً)، وأغسطس 650 ألف طن (مقابل 1.3 مليون)، فيما بلغت واردات النصف الأول من سبتمبر نحو 147 ألف طن.

درع التوريد المحلي: حمت المنظومة التموينية الحكومية نفسها بتجميع حصيلة تاريخية بلغت نحو 4.7 ملايين طن من محصول القمح المحلي، مما خفف الضغط النسبي على القطاع العام مقارنة بشركات القطاع الخاص التي تواجه شحاً في تكوين المخزونات الكبيرة.

تفعيل 22 منشأً معتمداً: بعد أن كانت روسيا وأوكرانيا تستحوذان تاريخياً على 85% إلى 90% من الإمدادات، وسعت مصر قائمة الاستيراد لتشمل رومانيا وبلغاريا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا.

معضلة النولون وزمن الإبحار: يصطدم التوجه نحو الأسواق البديلة (مثل أمريكا الجنوبية) بزيادة مدة الشحن البحري لتتراوح بين 25 و28 يوماً، مقارنة بـ 4 إلى 5 أيام فقط من موانئ البحر الأسود، مما يرفع تكاليف التأمين والنقل بنسب حادة تعزز التضخم المحلي.

اشتعال أسعار الأعلاف: غابت شحنات الذرة الأوكرانية تماماً عن السوق المصرية منذ مايو الماضي ليجري تعويضها من البرازيل والأرجنتين؛ الأمر الذي أشعل أسعار الذرة الصفراء محلياً بنسبة 33% خلال سبتمبر لتسجل 16 ألف جنيه للطن، بينما قفز فول الصويا بنسبة 22% ليصل إلى 27 ألف جنيه للطن.

البحر الأحمر.. مؤشرات التعافي ومكاسب الترانزيت البري

على جبهة الممر المائي الجنوبي، تواصل قناة السويس مسار التعافي التدريجي لتعويض التراجعات الحادة التي فرضتها هجمات البحر الأحمر منذ مطلع 2024:

قفزة الإيرادات في 8 أشهر: صعدت عوائد القناة بنسبة 26.5% على أساس سنوي خلال أول 8 أشهر من 2026 لتصل إلى 3.45 مليار دولار (مقارنة بـ 2.73 مليار دولار لنفس الفترة من 2025)، عبر عبور 9602 سفينة بنمو 17.4%، وارتفاع حمولات سفن الحاويات بنسبة 54.2% إلى 72.1 مليون طن صافٍ.

مكاسب شهر أغسطس: قفزت إيرادات شهر أغسطس بمفرده بنسبة 56.7% مسجلة 567.1 مليون دولار بعبور 1358 سفينة.

عودة الخطوط العملاقة: استعادت القناة خدمات رئيسية تتبع كبريات الشركات العالمية مثل (ميرسك، هاباغ لويد، CMA CGM، MSC، وكوسكو)، مع بدء تحويل جزء من النفط الخليجي والسعودي عبر ميناء ينبع والمسارات البحرية الآمنة لتفادي اضطرابات مضيق هرمز.

استهداف 6 مليارات دولار: تشير تقديرات هيئة قناة السويس إلى استهداف عوائد تتراوح بين 5.8 و6 مليارات دولار بنهاية 2026 (مقابل 4.1 مليارات في 2025)، ورغم التحسن، تظل دون المستوى القياسي التاريخي المحقق عام 2023 والبالغ 10.2 مليارات دولار.

الترانزيت البري والمركز اللوجستي: دفعت تكاليف الشحن المرتفعة عبر رأس الرجاء الصالح بعض الخطوط إلى الاعتماد على النقل البري للبضائع عبر مصر مستفيدة من التسهيلات الجمركية ومناطق التخزين اللوجستية، مما رسخ أقدام الدولة كمركز ربط إقليمي متكامل لا يقتصر فقط على حركة المجرى الملاحي.

تم نسخ الرابط