رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

في ذكرى رحيله.. سعد زغلول زعيم الأمة الذي أشعل ثورة 1919 وقاد معركة الاستقلال

سعد زغلول
سعد زغلول

في الثالث والعشرين من أغسطس من كل عام، تحل ذكرى رحيل الزعيم سعد زغلول، أحد أبرز رموز الحركة الوطنية المصرية في التاريخ الحديث، وقائد ثورة 1919، وزعيم الوفد المصري، والشخصية التي ارتبط اسمها بمطالب الاستقلال ومقاومة الاحتلال البريطاني والدفاع عن الإرادة الوطنية.

ولم تكن مسيرة سعد زغلول مقصورة على العمل السياسي وحده، إذ تنقل بين الصحافة والقضاء والمحاماة والعمل الوزاري والنيابي، قبل أن يصبح واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الحياة السياسية المصرية، ويحظى بلقب «زعيم الأمة»، الذي ظل ملازمًا لاسمه في الذاكرة الوطنية المصرية.

وُلد سعد إبراهيم زغلول في يوليو عام 1858 بقرية إبيانة، التابعة لمحافظة كفر الشيخ حاليًا، وكان والده يتولى رئاسة مشيخة القرية، وهي مكانة كانت توازي منصب العمدة في ذلك الوقت.

وفقد سعد زغلول والده في سن مبكرة، فتولى شقيقه الأكبر وخاله رعايته، وبدأ تعليمه في كتاب القرية، قبل أن ينتقل إلى الجامع الدسوقي عام 1870، ثم إلى الجامع الأزهر عام 1873، حيث تلقى دروسًا في العلوم الدينية واللغوية.

وخلال سنوات دراسته بالأزهر، تأثر بعدد من كبار العلماء والمفكرين، وكان للشيخ محمد عبده تأثير واضح في تكوينه الفكري، إذ أسهمت أفكاره في تشكيل وعي سعد زغلول بقضايا الإصلاح والتعليم والمجتمع، وهو ما انعكس لاحقًا على مسيرته السياسية والوطنية.

في عام 1880، بدأ سعد زغلول مرحلة جديدة من حياته المهنية، عندما عُين محررًا بالقسم الأدبي في جريدة «الوقائع المصرية»، التي كان الشيخ محمد عبده يتولى تحريرها آنذاك.

ولم يقتصر اهتمامه على العمل الصحفي والكتابة، وإنما اتجه كذلك إلى دراسة القوانين ونقد أوجه القصور التي كان يراها في نظم الإدارة والتشريع، وهو ما مهد الطريق أمامه للانتقال إلى العمل القانوني والقضائي.

وفي أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر، التحق بوزارة الداخلية، ثم انتقل للعمل في قلم قضايا مديرية الجيزة. وخلال تلك المرحلة، ارتبط بالحركة العرابية وكتب مؤيدًا لها، الأمر الذي أدى إلى فصله من وظيفته واعتقاله.

بعد خروجه من السجن، اتجه سعد زغلول إلى مهنة المحاماة، وافتتح مكتبًا خاصًا به، واستطاع خلال فترة قصيرة أن يثبت نفسه كأحد المحامين البارزين.

ولم ينظر سعد إلى المحاماة باعتبارها مجرد مهنة، بل دافع عن استقلالها ومكانتها، وسعى إلى تطوير أوضاع العاملين بها وتنظيم شؤونها، وهو الدور الذي استمر معه لاحقًا عندما انتقل إلى العمل القضائي والسياسي.

وفي عام 1892، التحق بسلك القضاء، وتدرج في المناصب القضائية حتى أصبح مستشارًا، وشارك في عدد من الدوائر واللجان القانونية.

وخلال فترة عمله في القضاء، واصل اهتمامه بالتأهيل القانوني، وحصل عام 1897 على ليسانس الحقوق من فرنسا، وهو ما عزز خبرته القانونية وأسهم في تكوين رؤيته بشأن إصلاح التشريعات وتنظيم المؤسسات القانونية.

سعد زغلول وزيرًا.. التعليم والقضاء في مقدمة اهتماماته

تولى سعد زغلول عددًا من المناصب الوزارية المهمة، كان أبرزها وزارة المعارف عام 1906، ووزارة الداخلية عام 1908، ثم وزارة الحقانية عام 1910.

وخلال توليه وزارة المعارف، أولى اهتمامًا كبيرًا بملف التعليم، وسعى إلى زيادة مخصصاته، ومواجهة الأمية، والتوسع في إنشاء الكتاتيب، إلى جانب تعزيز مكانة اللغة العربية داخل منظومة التعليم.

كما كان من المؤيدين لمشروع إنشاء الجامعة المصرية، ورأى في التعليم أحد أهم أدوات بناء الدولة الحديثة وإعداد الأجيال القادرة على تحمل مسؤولياتها.

وفي عام 1907، أنشأ مدرسة القضاء الشرعي، بهدف إعداد القضاة الشرعيين والمدرسين للمعاهد الدينية، في خطوة عكست اهتمامه بتطوير المؤسسات التعليمية والقضائية على حد سواء.

وعندما تولى وزارة الحقانية، ركز على تطوير شؤون القضاء وتنظيم مهنة المحاماة، وشارك في جهود تطوير التشريعات المنظمة للمهنة، وهي جهود أسهمت في تعزيز التنظيم النقابي للمحامين، وصولًا إلى إنشاء نقابة المحامين عام 1912.

من الجمعية التشريعية إلى قيادة المعارضة

في عام 1913، انتُخب سعد زغلول عضوًا في الجمعية التشريعية، ثم أصبح وكيلًا لها، وبرز داخلها كواحد من أبرز المعارضين للحكومة والمدافعين عن توسيع الدور الدستوري والرقابي للمجلس.

وكان وجوده في الجمعية التشريعية محطة مهمة في تطور شخصيته السياسية، حيث انتقل بصورة أكثر وضوحًا إلى صفوف المدافعين عن المشاركة الشعبية والرقابة البرلمانية.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، فرضت بريطانيا الحماية على مصر عام 1914، وتعطلت الحياة النيابية، ودخلت البلاد مرحلة جديدة من السيطرة البريطانية المباشرة، الأمر الذي زاد من حالة الاحتقان السياسي والشعبي.

13 نوفمبر 1918.. بداية الطريق إلى ثورة 1919

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، استفاد سعد زغلول ورفاقه من المناخ الدولي الجديد، خاصة مع انتشار الحديث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو المبدأ الذي ارتبط بإعلان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون.

وسعى سعد إلى استثمار هذا المناخ لطرح القضية المصرية أمام بريطانيا ومؤتمر الصلح، مطالبًا بإنهاء الاحتلال وتمكين المصريين من تقرير مستقبل بلادهم.

وفي 13 نوفمبر 1918، توجه سعد زغلول، برفقة عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي، إلى المندوب السامي البريطاني، وطالبوا بالسماح لهم بالسفر إلى أوروبا لعرض قضية مصر أمام مؤتمر الصلح.

لكن السلطات البريطانية رفضت طلبهم، بحجة أنهم لا يمثلون الأمة المصرية، وهو الرفض الذي كان له تأثير كبير في مسار الأحداث، إذ دفع سعد ورفاقه إلى تشكيل الوفد المصري والعمل على جمع التوكيلات من مختلف أنحاء البلاد.

ومع انتشار التوكيلات، تحول الوفد إلى حركة وطنية واسعة ذات قاعدة شعبية كبيرة، وأصبح سعد زغلول في مقدمة المشهد السياسي المصري.

في مارس 1919، اتخذت السلطات البريطانية قرارًا باعتقال سعد زغلول وعدد من قادة الوفد ونفيهم إلى مالطة.

لكن القرار لم ينهِ الحركة الوطنية، بل أدى إلى انفجار غضب شعبي واسع، واندلاع ثورة 1919 التي امتدت إلى مختلف أنحاء مصر.

وشارك في الثورة طلاب الجامعات والمعاهد، والعمال والفلاحون، وقطاعات واسعة من الشعب المصري، وشهدت البلاد مظاهرات وإضرابات واحتجاجات وتعطيلًا للمواصلات، في مشهد عكس حجم الالتفاف الشعبي حول مطلب الاستقلال.

وأصبحت ثورة 1919 واحدة من أهم المحطات في تاريخ الحركة الوطنية المصرية، كما تحولت شخصية سعد زغلول إلى رمز للمقاومة السياسية والمطالبة بالاستقلال

مع اتساع نطاق الثورة وتصاعد الضغوط، اضطرت السلطات البريطانية إلى الإفراج عن سعد زغلول ورفاقه، والسماح لهم بالسفر إلى باريس لعرض القضية المصرية.

لكن الوفد المصري لم يحظَ بالاعتراف به ممثلًا رسميًا لمصر أمام مؤتمر الصلح، كما لم يستجب المؤتمر للمطالب المصرية، واستمر النفوذ البريطاني في البلاد.

ورغم ذلك، واصل سعد زغلول نشاطه السياسي، واتجه إلى مخاطبة الرأي العام الأوروبي والبرلمانات الأجنبية، في محاولة لكسب التأييد للقضية المصرية.

وفي الداخل، تولت لجنة الوفد المركزية في القاهرة تنظيم الحركة الوطنية ومتابعة النشاط السياسي والجماهيري.

رغم ارتباط اسمه بثورة 1919، كان سعد زغلول حريصًا على أن تحتفظ الحركة الوطنية بطابعها السياسي، وأبدى في مذكراته انتقاده لبعض أعمال العنف التي صاحبت الثورة، معتبرًا أنها أضرت بالقضية الوطنية وأضعفت قدرتها على تحقيق أهدافها السياسية.

وكان يرى أن الضغط السياسي والشعبي والدبلوماسي يمثل الوسيلة الأكثر فاعلية في مواجهة الاحتلال، مع ضرورة الحفاظ على وحدة الحركة الوطنية وعدم السماح بتحويل الصراع على الاستقلال إلى أعمال تستنزف القضية.

في عام 1920، انتقل الوفد إلى لندن للمشاركة في المفاوضات مع بريطانيا، والتي عُرفت باسم «مفاوضات سعد–ملنر»، في محاولة للتوصل إلى تسوية بشأن مستقبل مصر.

غير أن المفاوضات لم تؤدِّ إلى اتفاق يحقق الاستقلال الكامل لمصر، واستمرت الخلافات بين الجانبين بشأن طبيعة العلاقة بين مصر وبريطانيا.

وفي ديسمبر 1921، قررت السلطات البريطانية نفي سعد زغلول مرة أخرى، وهذه المرة إلى جزر سيشل، في محاولة لإبعاده عن قيادة الحركة الوطنية وتقليص نفوذه السياسي والشعبي.

في 28 فبراير 1922، أعلنت بريطانيا إنهاء الحماية رسميًا على مصر، إلا أنها احتفظت بعدد من التحفظات المتعلقة بالدفاع والمواصلات والمصالح الأجنبية والسودان.

وبذلك لم يكن الإعلان البريطاني نهاية كاملة للصراع من أجل الاستقلال، إذ ظلت ملفات أساسية محل خلاف، واستمر النفوذ البريطاني حاضرًا بقوة في الحياة السياسية المصرية.

وعاد سعد زغلول إلى مصر عام 1923، بالتزامن مع صدور دستور 1923 وإجراء الانتخابات النيابية، التي حقق فيها الوفد فوزًا كبيرًا.

سعد زغلول رئيسًا للوزراء

في يناير 1924، أصبح سعد زغلول رئيسًا للوزارة، وتولى أيضًا وزارة الداخلية، ليشكل أول حكومة يرأسها الوفد.

وسعت حكومة سعد زغلول إلى تعزيز الاستقلال الوطني في المجالات السياسية والإدارية والاقتصادية، والحد من النفوذ الأجنبي، وتوسيع مشاركة المصريين في إدارة شؤون دولتهم.

لكن حكومته واجهت ضغوطًا سياسية كبيرة، في ظل استمرار التدخل البريطاني وتشابك المصالح الداخلية والخارجية.

وفي 12 يوليو 1924، تعرض سعد زغلول لمحاولة اغتيال في محطة القاهرة، لكنه نجا منها بعد إصابته.

في 19 نوفمبر 1924، وقع حادث اغتيال السير لي ستاك، سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام، في القاهرة.

وعقب الحادث، وجهت بريطانيا إنذارًا شديد اللهجة إلى الحكومة المصرية، تضمن عددًا من المطالب المتعلقة بالتعويض عن الحادث وقضايا أخرى، من بينها السودان.

ورفض سعد زغلول الاستجابة للمطالب البريطانية التي رأى أنها تمس السيادة المصرية، وقرر تقديم استقالته في 23 نوفمبر 1924، وقُبلت الاستقالة في اليوم التالي.

ورغم خروجه من رئاسة الحكومة، لم يبتعد سعد زغلول عن الحياة السياسية، وظل الوفد قوة رئيسية في المشهد السياسي المصري.

رئيسًا لمجلس النواب حتى وفاته

بعد استقالة سعد زغلول، أُجريت انتخابات جديدة، وعاد الوفد بقوة إلى الحياة السياسية.

وفي مارس 1925، انتُخب سعد زغلول رئيسًا لمجلس النواب، لكن المجلس حُل في اليوم نفسه، قبل أن يعود إلى رئاسة المجلس مرة أخرى في يونيو 1926.

وظل في منصبه رئيسًا لمجلس النواب حتى وفاته، محتفظًا بمكانته السياسية والشعبية باعتباره أحد أبرز رموز الحركة الوطنية المصرية.

صفية زغلول.. شريكة المسيرة و«أم المصريين»

تزوج سعد زغلول عام 1895 من صفية، ابنة مصطفى فهمي باشا، أحد رؤساء وزراء مصر.

ومع تصاعد الحركة الوطنية، برزت صفية زغلول في الحياة العامة، وارتبط اسمها بالحركة الوطنية والوفد، وأصبحت تُعرف بلقب «أم المصريين»، في انعكاس للمكانة التي اكتسبتها داخل الوجدان الشعبي المصري.

23 أغسطس 1927.. رحيل زعيم الأمة

في 23 أغسطس عام 1927، رحل سعد زغلول في القاهرة عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد مسيرة طويلة امتدت من الصحافة والقضاء والمحاماة إلى الوزارة والنيابة وقيادة الحركة الوطنية.

وشُيعت جنازته في مشهد جماهيري كبير، ودُفن في البداية بمدافن الإمام الشافعي، قبل أن تُنقل رفاته عام 1936 إلى الضريح الذي أُقيم تخليدًا لذكراه بالقرب من منزله.

وأصبح الضريح المعروف باسم «ضريح سعد زغلول» أحد أبرز الأماكن المرتبطة بتاريخ الحركة الوطنية المصرية، كما تحول منزله لاحقًا إلى متحف «بيت الأمة».

وبعد مرور عقود على رحيله، ظل اسم سعد زغلول حاضرًا في كتب التاريخ والذاكرة الوطنية المصرية، باعتباره أحد أبرز الشخصيات التي ارتبطت بمطلب الاستقلال وبروز الحركة الشعبية في مواجهة الاحتلال.

اقرأ أيضاً.. 225 جنيهًا للفرد و900 للأسرة.. تفاصيل جديدة عن منظومة دعم الخبز المرتقبة

تم نسخ الرابط