رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

لقيت راحتي مع الأموات.. أسرار 15 عامًا داخل سيارة تكريم الإنسان

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

منذ 15 عامًا يجلس ماهر صاحب الـ 45 عاما خلف مقود سيارة نقل الموتى يعبر الشوارع نفسها التي يمضي فيها الناس إلى أعمالهم وأفراحهم ومشاويرهم اليومية، لكنه كان يسلك طريقًا مختلفًا دائمًا طريق الوداع الأخير.

قبل أن يعمل في هذا المجال تنقل ماهر بين أكثر من وظيفة قاد سيارات الشركات وعمل سائق تاكسي لفترة لكنه لم يجد الراحة التي يبحث عنها، ويقول بابتسامة هادئة تخفي وراءها سنوات من المشاهد المؤثرة «الشغل مع الأحياء متعب جدًا أما الشغل مع الأموات مريح، الميت خلاص انتهى من مشاكل الدنيا وهو مشوار واحد اللي بوصله فيه لكن الأحياء مشاكلهم وخلافاتهم ومشاويرهم مش بتخلص».

حكايات عن الحب والجحود والرحيل

وفي بداية عمله لم يكن الأمر سهلًا كان كل مشهد جنازة يوقظ داخله ذكريات خاصة يتذكر أيامه الأولى قائلاً: «أول ما بدأت الشغل، كل مرة أسمع حد بيترحم على أهله كنت أفتكر أمي وأبويا وأخويا وأعيط، كنت أحس أن كل جنازة تخصني أنا، لكن بعد سنة تقريبًا بقيت متعود الحزن نفسه ما بيتغيرش لكن الإنسان بيتأقلم».

دموع أمام المقبرة.. وخلافات بعد الدفن

خلال سنوات عمله شاهد عشرات المواقف التي كشفت له معادن البشر، أكثرها تأثيرًا كان مشهد شقيقين في الأربعينيات من عمرهما، كانا يبكيان بحرقة على والدتهما طوال الطريق إلى المقابر، حتى بدا للجميع أن الحزن كسرهما لكن المفاجأة جاءت بعد انتهاء الدفن.

فيرى ماهر الموقف الغريب قائلًا «وإحنا راجعين من المقابر اتخانقوا وضربوا بعض بسبب الميراث، وقتها سألت نفسي: فين الوفاء؟ فين المحبة؟ أمهم لسه مدفونة من دقائق وهي كانت خدت معاها إيه؟».

أما الموقف الأكثر غرابة فكان لمتوفي رفض بعض أفراد عائلته دفنه في مدفن الأسرة بسبب خلافات قديمة حول تكاليف المقابر، وصلت سيارة الجنازة إلى المقابر وسط أقاربه وأحبائه لكن أصحاب الحق في المدفن رفضوا فتحه لينتهي الأمر بدفنه صدقة في مكان آخر.

أصعب الرحلات.. جنازات الشباب والأطفال

أكد ماهر أن أصعب اللحظات التي تمر عليه هي جنازات الشباب، فقال «جنازة الشاب أو الطفل بتبقى صعبة جدًا، الحزن فيها مختلف الناس بتكون موجوعة جدًا»، ويضيف أن المناطق الشعبية وبعض قرى الصعيد تشهد مظاهر حزن شديدة حيث يعلو النواح والبكاء وأحيانًا يقوم بعض المشيعين بالضرب على السيارة تعبيرًا عن الألم، متابعًا «أكيد بقدر حالتهم النفسية، لكن ساعات العربية بتتضرر، مرة القزاز اتكسر بالكامل من شدة الانفعال».

داخل سيارة الجنازة وجوه مختلفة للحزن

ومن بين مئات الرحلات التي قادها بقي موقف واحد محفورًا في ذاكرته أثناء إحدى الجنازات ضلت سيارة ابن المتوفى طريقها بعيدًا عن موكب الجنازة، فاضطر الجميع إلى الانتظار أكثر من ساعتين على الطريق قبل استكمال مراسم الدفن، متابعًا «الموقف ده علمني حاجة مهمة، وهي أن ربنا كاتب لكل إنسان ميعاد دخوله القبر بالدقيقة والثانية».

داخل سيارة الجنازة نفسها يشاهد ماهر صورًا مختلفة للحزن، هناك سيدات لا يتقفن عن  الصراخ والنواح طوال الطريق وٱخريات يكتفين بالدموع الصامتة وهناك أسر تشغل التراتيل أو القداس في هدوء، بينما يقرأ آخرون الإنجيل بصوت منخفض يمتزج بالبكاء.

حجز تابوته قبل خمس سنوات

وأشار إلى مشاهدته بجنازات الشباب والأطفال تعرض أمهات للإغماء لكن أكثر قصة تؤلمه ليست داخل جنازة، بل لرجل حي ما زال ينتظر نهايته وحيدًا رجل في الخمسين من عمره يسكن بالقرب من محل الصناديق الخشبية أولاده مسافرون بالخارج ولا أحد يسأل عنه، يحكي ماهر قصتة الرجل  قائلا «من خمس سنين حاجز صندوقه بنفسه، وكل سنة ييجي يجدد الحجز ويقول لنا: الجار ده هو اللي هيستلم الصندوق لما أموت، كل ما أشوفه أحس قد إيه الوحدة قاسية».

لدغات التضخم طالت الرحلة الأخيرة

سعر الصندوق من 3 إلى 90 ألف جنيه وتوصيل الميت في بعض المجافظات تصل إلى 13 ألف جنيه
وعن تكاليف تجهيزات الجنازات، يوضح أن أسعار الأكفان تبدأ من نحو 500 جنيه، وكذلك أغطية الرأس، بينما تتراوح أسعار الصناديق الخشبية بين 3 آلاف و30 ألف جنيه، وقد تصل أسعار بعض الصناديق المستوردة الفاخرة إلى ما بين 30 و90 ألف جنيه، وإذا كان الدفن داخل المحافظة تكلفة السيارة بتكون من ألفي جنيه إلى 2500 جنيه تقريبًا.

 لكن إذا هننقل المتوفى لمحافظة بعيدة التكلفة بتزيد بشكل كبير، الرحلة من القاهرة إلى الإسكندرية تصل إلى 4 آلاف جنيه، أما إلى محافظات الصعيد البعيدة مثل قنا أو الأقصر أو أسوان فقد تتجاوز 11 أو 13 ألف جنيه».

من جنازة كل يوم إلى عشر جنازات شهريًا

ورغم سنوات الخبرة الطويلة، يعترف ماهر بأن المهنة لم تعد كما كانت فبعد أن كانت الجنازات تخرج بشكل شبه يومي، تراجع العمل بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة مع توسع بعض الكنائس في تقديم خدمات مشابهة.

ويختتم سائق سيارة تكريم الإنسان حديثه قائلاً «زمان كنا بنطلع جنازة تقريبًا كل يوم، دلوقتي لو طلعنا عشر جنازات في الشهر يبقى شيء كويس».

تم نسخ الرابط