لبنان بين الانسحاب والاحتلال.. هل ينهي ترامب معركة الجنوب؟ تقرير
يقف لبنان على حافة اختبار جديد، فالمعادلة هذه المرة لا تتعلق فقط بسلاح حزب الله، ولا بالوجود الإسرائيلي في الجنوب، بل بمستقبل الدولة نفسها، وبينما يراهن الرئيس جوزيف عون على نفوذ نظيره الأمريكي، دونالد ترامب لفتح الطريق أمام انسحاب إسرائيلي تدريجي، لكن خلف هذا، يلوح سؤال أكثر خطورة وهو "هل يكون اتفاق الإطار الثلاثي بوابة لإنهاء الوجود الإسرائيلي في لبنان، أم يتحول إلى فخ جديد يحمل بيروت مسؤولية الفشل ويفتح الباب أمام بقاء طويل الأمد للقوات الإسرائيلية في الجنوب؟"

يتجه الرئيس اللبناني إلى طلب تدخل مباشر من الرئيس الأمريكي، لإنجاح خطة تقودها واشنطن لنزع سلاح حزب الله، ودفع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى الانسحاب من المواقع التي يسيطر عليها داخل الأراضي اللبنانية، في محاولة لتبديد المخاوف من تحول الوجود العسكري الإسرائيلي إلى احتلال طويل الأمد.
ويأمل عون أن يستخدم ترامب نفوذه للضغط على إسرائيل لتنفيذ بنود الاتفاق، بدءًا من الانسحاب من المناطق التجريبية، وصولًا إلى انسحاب أوسع من جنوب لبنان.
عون أمام ترامب.. طلب واحد لإنقاذ لبنان من شبح الاحتلال
ومن المقرر أن يطلب جوزيف عون، اليوم الثلاثاء، من دونالد ترامب ممارسة ضغوط على إسرائيل لتنفيذ اتفاق توسطت فيه الولايات المتحدة، يقضي بانسحاب قوات الاحتلال من عدد من المناطق التجريبية، تمهيدًا لتنفيذ انسحاب أوسع من الأراضي اللبنانية.

وقال سامي حلبي، مدير معهد السياسات البديلة في بيروت، إن الخطة المعروفة باسم الإطار الثلاثي قد تكون مصممة للفشل، محذرًا من أن حكومة بيروت قد تتحمل في النهاية مسؤولية انهيارها.
وأضاف حلبي أن إسرائيل تتصرف بسوء نية، معتبرًا أنها تدرك جيدًا أن الآليات المطروحة حاليًا لم تنجح في السابق.
في المقابل، يرى العميد احتياط يوسي كوبرفاسر، الضابط السابق رفيع المستوى في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، أن الأطراف الثلاثة الموقعة على الاتفاق لديها مصلحة حقيقية في نجاحه.
ما هو الإطار الثلاثي؟.. خطة أمريكية لنزع سلاح حزب الله
تم الإعلان عن الإطار الثلاثي في 26 يونيو، ويهدف، بحسب ما ورد، إلى نزع سلاح حزب الله.
جنوب لبنان في قلب المعادلة.. وعون يراهن على نفوذ ترامب
مع استمرار نزوح مئات الآلاف من سكان جنوب لبنان، يرى عون أن ترامب يمتلك النفوذ الكافي للضغط على إسرائيل من أجل الانسحاب، ومساعدة لبنان على استعادة سيادته، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز عن مسؤول لبناني.

لكن انهيار مذكرة التفاهم التي كانت تهدف إلى إنهاء الحرب مع إيران، والتي كان لبنان طرفًا متأثرًا بها، أعاد طرح تساؤلات بشأن قدرة الاتفاق الذي تقوده الولايات المتحدة على إنهاء الوجود الإسرائيلي في لبنان.
وينص الإطار على أن تتولى القوات المسلحة اللبنانية، بشكل تدريجي، المسؤولية الأمنية، إلى جانب تفكيك البنية التحتية العسكرية التابعة لحزب الله، على أن يتم الانسحاب الإسرائيلي تدريجيًا مع استيفاء الشروط الأمنية والتأكد من تنفيذها.
المناطق التجريبية.. الاختبار الأصعب للاتفاق
تمثل "المناطق التجريبية" محورًا أساسيًا في الخطة، إذ من المقرر استخدام مناطق أولية في جنوب لبنان لاختبار آلية تنفيذ الاتفاق، على أن يتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيها قبل الانتقال إلى تطبيق الخطة على نطاق أوسع.
وأفادت وسائل إعلام لبنانية وإسرائيلية بأن الجيش اللبناني بدأ الأسبوع الماضي نشر قواته في فرون وكفار دونين والقلاوية، إلى جانب مناطق إضافية داخل المناطق التجريبية وحولها، وذلك في إطار الاتفاق.

يرى سامي حلبي أن الجيش اللبناني لا يمتلك الموارد المطلوبة لإنجاح الخطة، مؤكدًا أن إسرائيل تدرك جيدًا أن الجيش اللبناني غير قادر تقنيًا على القيام بما طُلب منه.
وأضاف أن ذلك قد يضع الجيش اللبناني أمام مهمة مواجهة حزب الله نيابة عن إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أي طرف آخر، موضحًا أن جوهر الأمر هو مطالبة الدولة اللبنانية بتنفيذ المهمة، رغم عدم امتلاكها الموارد اللازمة لذلك.
هل يتحول الاتفاق إلى شرارة حرب أهلية؟
وحذر حلبي من أن هذا الوضع قد يقود، على حد قوله، إلى تفكك القوات المسلحة اللبنانية، وربما إلى اندلاع صراع أهلي.
وتابع أن مثل هذا السيناريو قد يمنح إسرائيل مبررًا للقول إن لبنان لم يلتزم بالجانب الخاص به من الاتفاق.
واستطرد أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان قد يصب، من وجهة نظر نتنياهو، في مصلحته على المدى القريب والبعيد، خصوصًا في ظل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، والمتوقع إجراؤها في أكتوبر.
وقال إن مستقبل الخطة سيعتمد بدرجة كبيرة على نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وكذلك على واقع استمرار احتلال دولة معادية، مؤكدًا من منظور أمني أن استمرار احتلال لبنان يمثل مشكلة كبيرة للغاية.

إسرائيل وأمريكا ولبنان.. هل تتفق المصالح لإنهاء الأزمة؟
في المقابل، قال يوسي كوبرفاسر، مدير معهد القدس للاستراتيجية والأمن، إن الاتفاق يعكس رغبة بيروت وإسرائيل والولايات المتحدة في خلق واقع جديد تمامًا في لبنان، بحيث تستعيد الحكومة اللبنانية احتكار استخدام القوة داخل أراضيها.
ويرى كوبرفاسر أن الهدف النهائي يتمثل في إعادة مسؤولية الأمن واستخدام القوة إلى الدولة اللبنانية، وإنهاء وجود أي قوة مسلحة خارج سيطرة الحكومة.
منذ 1978 حتى اليوم.. هل يعيد الجنوب اللبناني سيناريو الاحتلال القديم؟
زعمت إسرائيل أن وجودها في جنوب لبنان مؤقت وضروري بذريعة منع التهديد الذي يمثله حزب الله، في ظل عدم قدرة الحكومة اللبنانية على السيطرة عليه.
فينا أكد محللون أن الوضع الحالي يعيد إلى الأذهان دخول إسرائيل جنوب لبنان عام 1978، ثم غزوها الأوسع بعد أربع سنوات، في محاولة لوقف هجمات المسلحين الفلسطينيين الذين كانوا ينطلقون من الأراضي اللبنانية.

وقالت ميريل ربيز، رئيسة قسم دراسات الشرق الأوسط في كلية ديكنسون، إن هناك اختلافات في مدة العمليات السابقة وحدتها.
وأردفت ربيز أن أحد أبرز الاختلافات بين احتلال عام 1978 والخط الأصفر الحالي يتمثل في حجم الدمار الذي ألحقته إسرائيل بجنوب لبنان.
ويستخدم مصطلح الخط الأصفر كاسم آخر للوجود العسكري الإسرائيلي، كما يستخدم أيضًا لوصف الخط الذي يقسم قطاع غزة منذ دخول خطة السلام حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.
دمار واسع في الجنوب
أدى الدمار الذي طال الأراضي الفلسطينية بعد الحرب الإسرائيلية على حركة حماس، التي اندلعت عقب هجمات 7 أكتوبر 2023، وما نتج عنها من عمليات تهجير، إلى ظهور مقارنات مع الوضع القائم حاليًا في جنوب لبنان.
وأظهرت صور للأقمار الصناعية نشرت في أبريل أن إسرائيل دمرت ما لا يقل عن 1400 مبنى، وذلك بعد أمر وزير دفاع الكيان الصهيوني، يسرائيل كاتس في 22 مارس بتسريع هدم المنازل اللبنانية القريبة من الحدود، استنادًا إلى النموذج المتبع في غزة خلال الحملة ضد حزب الله.
هل يتحول الجنوب إلى منطقة خالية من السكان؟
قالت ميريل ربيز إنه رغم احتفاظ إسرائيل بوجود عسكري فعلي في جنوب لبنان بين عامي 1978 و2000، فإنها خلال تلك الفترة لم تدمر قرى بأكملها.
من جانبه، قال مايكل يونج، المحرر الكبير في مركز مالكولم إتش كير كارنيجي للشرق الأوسط في بيروت، إن إسرائيل تريد ربط أي انسحاب من المناطق التي تسيطر عليها بنزع سلاح حزب الله.
ولفت يونج إلى أنه في حال عدم نزع سلاح حزب الله، فإن إسرائيل ستواصل السيطرة على هذه الأراضي، كما فعلت خلال الحرب الأهلية اللبنانية وحتى عام 2000، وهي الفترة التي اعتبرت أيضًا احتلالًا.
ويرى أن المسعى الإسرائيلي لهدم القرى يهدف إلى جعل المنطقة خالية من سكانها بشكل دائم، مشيرًا إلى أن الهدف هو تدمير القرى، والسماح في نهاية المطاف بعودة جزء من السكان بصورة منظمة.
عون يطلب النجدة من ترامب.. والرهان على إنهاء الوجود الإسرائيلي
عندما أدى جوزيف عون، البالغ من العمر 62 عامًا، اليمين الدستورية رئيسًا للبنان العام الماضي، تعهد بنزع سلاح حزب الله، الذي كان قد تعرض لضعف بعد الهجوم الإسرائيلي عام 2024.
لكن سياسته تعقدت بعد اتفاق وقف إطلاق النار، الذي حصلت بموجبه القوات اللبنانية على أسلحة من وكيل إيراني، قبل أن تزيد الحرب الإيرانية من تعقيد المشهد، بعدما اتهم عون حزب الله بالتسبب في جر لبنان إلى الحرب.
ومن المتوقع أن يسعى عون للحصول على ضمانات من ترامب بشأن كيفية إنهاء الوجود الإسرائيلي في لبنان في أقرب وقت ممكن، إضافة إلى مستقبل "المناطق التجريبية" والدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة في تنفيذ الاتفاق.

انهيار مذكرة التفاهم
ورغم إعلان ترامب انتهاء مذكرة التفاهم التي صدرت في 17 يونيو، والتي طالبت بإنهاء الصراع على جميع الجبهات المرتبطة بالحرب الإيرانية، بما في ذلك الجبهة مع حزب الله في لبنان، فإن تقدمًا أُحرز بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني.
وقال زيف فاينتوش، رئيس قسم الأبحاث والاستخبارات في شركة الأمن "جلوبال جارديان" ، إن التطورات الحالية تمثل فرصة دبلوماسية لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل.
وأضاف أنه من الصعب التنبؤ بما إذا كان لبنان سيشهد زعيمًا آخر يتمتع بالمرونة نفسها، أو ما إذا كان حزب الله سيظل ضعيفًا بهذا الشكل في المستقبل، على حد قوله.
وختم فاينتوش بالقول إنه لا يعتقد أن الوضع القائم بين لبنان وإسرائيل قابل للاستمرار، مؤكدًا أن مواصلة البرنامج التجريبي تصب في مصلحة الأطراف المعنية.





