من الشهادة إلى المهارة.. برلماني يطالب بإعادة صياغة منظومة التعليم لتلبية احتياجات الاقتصاد
أكد الدكتور محمد الصالحي، عضو مجلس النواب، أن اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل أصبح أحد أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بأعداد الخريجين فقط، وإنما بطبيعة المهارات التي يمتلكونها ومدى توافقها مع متطلبات القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأوضح الصالحي أن استمرار هذا الخلل أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة في بعض التخصصات، في الوقت الذي تعاني فيه قطاعات أخرى من نقص واضح في الكوادر المؤهلة التي تمتلك المهارات المطلوبة، وهو ما يؤكد ضرورة إعادة النظر في منظومة إعداد وتأهيل الشباب بما يتواكب مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
حلول مبتكرة لمواجهة فجوة التعليم وسوق العمل
وقال عضو مجلس النواب إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تبني حلول غير تقليدية تعتمد على التخطيط المستقبلي والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، مؤكدًا أن تطوير التعليم يجب أن يرتبط بشكل مباشر باحتياجات سوق العمل الفعلية.
وطالب الحكومة باتخاذ مجموعة من الإجراءات الجديدة، في مقدمتها إنشاء مرصد وطني ذكي لسوق العمل يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف رصد الوظائف الحالية والمتوقعة مستقبلًا، وتحديد المهارات المطلوبة، بما يساعد المؤسسات التعليمية على تطوير برامجها وفقًا لمتغيرات السوق.
ربط المناهج باحتياجات السوق وإطلاق "جواز المهارات"
وشدد الصالحي على أهمية إلزام الجامعات والمعاهد بتحديث مناهجها بشكل دوري وفقًا لاحتياجات سوق العمل، مقترحًا إطلاق ما وصفه بـ"جواز المهارات" لكل طالب، بحيث لا يحصل الخريج على شهادته إلا بعد اجتياز برامج عملية معتمدة في عدد من المجالات الأساسية.
وأوضح أن هذه المهارات يجب أن تشمل المهارات الرقمية، واللغات الأجنبية، وريادة الأعمال، والعمل الجماعي، بما يضمن تخريج كوادر قادرة على المنافسة داخل سوق العمل المحلي والدولي.
الشركات شريك أساسي في صناعة الخريج
وأكد عضو مجلس النواب ضرورة إشراك الشركات الكبرى في إعداد المناهج وبرامج التدريب، مقابل تقديم حوافز ضريبية لها، لتصبح المؤسسات الإنتاجية شريكًا مباشرًا في صناعة الخريج وتأهيله، وليس مجرد جهة تستقبل الباحثين عن فرص عمل بعد التخرج.
وأشار إلى أن مشاركة القطاع الخاص في العملية التعليمية والتدريبية ستسهم في تقليل الفجوة بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، وتضمن امتلاك الشباب للخبرات التي تحتاجها سوق العمل.
صندوق وطني لتمويل التدريب المدفوع للطلاب
وطالب الصالحي بإنشاء صندوق وطني لتمويل التدريب المدفوع، يتيح للطلاب فرص العمل داخل المصانع والشركات أثناء فترة الدراسة، مع حصولهم على مكافآت مالية، بما يساعدهم على اكتساب الخبرات العملية قبل التخرج ويزيد من جاهزيتهم للاندماج في سوق العمل.
كما دعا إلى إعادة تصنيف الكليات والتخصصات بشكل دوري كل ثلاث سنوات، وفقًا لمؤشرات التوظيف والإنتاجية، مع التوسع في التخصصات المستقبلية المطلوبة، والحد من القبول في التخصصات التي تعاني من تشبع في أعداد الخريجين.
الاستثمار الحقيقي يبدأ من إعداد خريج قادر على الابتكار
وأكد الدكتور محمد الصالحي أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من إنشاء المباني الجامعية فقط، وإنما من بناء الإنسان وإعداد خريج يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الابتكار والإنتاج.
وشدد على أن تطوير منظومة التعليم يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل الاقتصاد الوطني، وأن تأهيل الشباب بالشكل الصحيح سيحولهم من باحثين عن فرص عمل إلى عناصر منتجة وقادرة على قيادة عمليات التنمية.
دعوة لتحرك عاجل لحسم ملف التعليم وسوق العمل
وأكد الصالحي أن استمرار الفجوة بين التعليم وسوق العمل يمثل نزيفًا للاقتصاد الوطني، في حين أن حسم هذا الملف من خلال رؤية متكاملة سيحقق مكاسب اقتصادية واجتماعية كبيرة، مطالبًا بتحرك حكومي وبرلماني عاجل لتطوير منظومة التعليم والتدريب، قبل اتساع الفجوة بصورة أكبر، مؤكدًا أن بناء اقتصاد قوي يتطلب إعداد أجيال جديدة تمتلك المهارات التي تتناسب مع احتياجات الحاضر والمستقبل.

