مفتي الجمهورية: وحدة الأمة ونبذ الفرقة من أهم مقومات النهضة الحضارية في الفكر الإسلامي
أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، أن تراث الإمام أبي منصور الماتريدي يمثل مرجعًا أصيلًا للاعتدال والعقلانية في الحضارة الإسلامية.
أسس الحضارة الإسلامية
واستعرض الأسس التي قامت عليها الحضارة الإسلامية منذ بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، باعتبارها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا أقام مجتمعًا مؤسسًا على قيم العدل والمساواة والرحمة والتسامح واحترام الإنسان، فانتقلت البشرية من واقع التنازع والفُرقة إلى أمة موحدة استطاعت أن تؤسس واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية، امتدت آثارها إلى مختلف الأمم بفضل جمعها بين الإيمان والأخلاق والعلم والعمل.
جاء ذلك خلال كلمته في المؤتمر الدولي لمركز تراث الإمام الماتريدي«الإمام الماتريدي أساس الوسطية وتلتسامح و العلم والمعرفة»، الذي عُقد بمدينة سمرقند بجمهورية أوزبكستان، بحضور نخبة من العلماء وممثلي الهيئات والمؤسسات الدينية من مختلف دول العالم الإسلامي.
لا يفوتك.. مفتي الجمهورية يبرز ملامح الحضارة الإسلامية: الإنسان محور البناء والتقدم
تراث الإمام الماتريدي
وأوضح، أن تراث الإمام الماتريدي لم يقتصر على الدفاع عن العقيدة أو تقرير مسائل علم الكلام، وإنما قدم رؤية معرفية متكاملة جمعت بين الوحي والعقل، وربطت بين الإيمان والأخلاق، وبين الفكر والعمران، بما أسهم في بناء نموذج حضاري يجمع بين الثبات على الأصول والقدرة على الاستجابة لمتغيرات الواقع ومن أبرز الخصائص المنهجية التي تميز بها هذا الفكر.. التوازن بين العقل والنقل، وترسيخ القيم الأخلاقية.
ترسيخ وحدة الأمم
وبيَّن أن من أبرز المرتكزات الحضارية في فكر الإمام الماتريدي ترسيخ وحدة الأمة ونبذ أسباب الفرقة والتنازع، انطلاقًا من تفسيره لقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقوله سبحانه: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، بما يؤكد أن الاجتماع على الحق يمثل أساس استقرار المجتمعات ونهضتها، وأن التفرق يقود إلى تفكك البنيان الاجتماعي وتعطيل أسباب التقدم، وهو ما يجعل الوحدة قيمة حضارية أصيلة تتجاوز كونها توجيهًا أخلاقيًّا إلى كونها ضرورة لبناء الدولة والمجتمع.
وعرض المكانة التي منحها الإمام الماتريدي للعقل باعتباره أداة لفهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام وإدراك مقاصد الشريعة، مع تقرير أن العقل لا ينفصل عن الوحي ولا يستغني عنه، وإنما يتكامل معه في توجيه الإنسان نحو الحق، كما يمتد دوره إلى فهم سنن الله في الكون وتسخيرها لخدمة الإنسان وتحقيق مصالحه وإقامة الحضارات، مع بقاء الوحي المرجع الذي يهدي العقل فيما يعجز عن إدراكه، وهو ما يجسد المنهج الإسلامي في الجمع بين التفكير الرشيد والالتزام بالنصوص الشرعية.
وتناول الرؤية الحضارية للإمام الماتريدي في قضية عمارة الأرض، استنادًا إلى قوله تعالى: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، بما يقرر مسؤولية الإنسان عن إعمار الكون والانتفاع بخيراته وتحقيق مصالح الناس، ويربط بين العمران والأخلاق بوصفهما وجهين لمقصد واحد.
وذكر أن أثر الإمام أبي منصور الماتريدي لم يقتصر على الجانب العقدي، بل امتد إلى المدرسة الحنفية التي شُيِّد بناؤها الأصولي على أسس تجمع بين النص والاجتهاد، ومراعاة مقاصد الشريعة، وتحقيق مصالح الناس، بما أرسى منهجًا علميًّا متوازنًا أسهم في تطوير الفقه الإسلامي، وأثمر هذا المنهج جهودًا علمية بارزة لكبار الأصوليين والفقهاء، وفي مقدمتهم أبو زيد الدبوسي، وفخر الإسلام البزدوي، وشمس الأئمة السرخسي، الذين رسخوا قواعد أصولية اعتمدت على القياس والاستحسان والعرف، ومنحت الفقه الإسلامي مرونة مكَّنته من مواكبة تطورات الواقع دون الإخلال بثوابته.
واختتم مفتي الجمهورية كلمته معربًا عن سعادته بالمشاركة في هذا المؤتمر العلمي الدولي، وتقديره لجمهورية أوزبكستان والقائمين على تنظيم المؤتمر، ومؤكدًا تطلُّع دار الإفتاء المصرية، بدعم كامل من الدولة المصرية، إلى تعزيز التعاون مع المؤسسات والهيئات الدينية والعلمية بما يخدم قضايا الأمة الإسلامية، ويعزز جهود نشر الفكر الوسطي، ويخدم الحضارة الإنسانية، سائلًا الله تعالى أن يكلل أعمال المؤتمر بالتوفيق، وأن يحقق أهدافه في خدمة العلم وترسيخ قيم الاعتدال والسلام.


