رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

قبل دعوات الحظر البريطانية.. الإفتاء حذرت مبكرًا من إدمان الإنترنت لدى الأطفال

دار الإفتاء
دار الإفتاء

أكد المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم أن توجُّه عدد من الدول، وفي مقدمتها بريطانيا، نحو سنِّ قوانين تحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سِنِّ السادسة عشرة هو خطوة إيجابية تعكس تحولًا نوعيًّا في السياسات الدولية الرامية إلى حماية الأطفال من المخاطر النفسية والفكرية والسلوكية المرتبطة بالاستخدام غير المنضبط لوسائل التواصل الاجتماعي.

وأوضح مؤشر الفتوى، في تقرير جديد، أن القرارات العالمية الداعية لحظر وسائل التواصل عن الأطفال تؤكد صواب نهج دار الإفتاء في بناء الوعي الرقمي الوقائي، الذي يقوم على الانتقال من معالجة آثار الاستخدام الخاطئ للمنصات الرقمية بعد وقوعها إلى بناء الوعي الرقمي الرشيد قبل نشوء المخاطر، من خلال نموذج "الفتوى الرقمية الوقائية"، الذي يجعل من الوقاية والتوعية ركيزة أساسية في تطوير الخطاب الإفتائي ومواجهة التحديات الرقمية المتسارعة.

لا يفوتك.. مفتي الجمهورية: قضية التأويل حظيت بعناية كبيرة من علماء الإسلام

تجربة مسلسل "أنس AI" عكست تطورًا في وظيفة الفتوى ورسالتها المجتمعية

وأشار مؤشر الفتوى إلى أن دار الإفتاء المصرية قد انتهجت مسارًا متطورًا في التعامل مع القضايا الرقمية، يقوم على تجاوز الدور التقليدي للفتوى بوصفها استجابة للمشكلات بعد وقوعها، إلى دور استباقي يهدف إلى بناء الوعي، وترسيخ السلوك الرقمي الرشيد، وتعزيز المناعة الفكرية والسلوكية لدى الأطفال والناشئة قبل تعرضهم للمخاطر.

وأضاف أن هذا النموذج يعتمد بالأساس على إنتاج محتوى توعوي يخاطب الأطفال وأولياء الأمور بلغة عصرية، ويوظف الوسائط الرقمية الحديثة، إلى جانب دعم دور الأسرة في المتابعة والرقابة الواعية، بما يسهم في الحد من المخاطر الفكرية والنفسية والسلوكية المرتبطة بالفضاء الإلكتروني.

وفي هذا الإطار، استشهد مؤشر الفتوى بتجربة مسلسل "أنس AI"، الذي شاركت دار الإفتاء المصرية في إنتاجه وعُرض في رمضان الماضي، باعتباره نموذجًا عمليًّا يُجسد مفهوم "الفتوى الرقمية الوقائية"، حيث انتقل بالرسالة الدينية من دائرة الوعظ والتحذير التقليدي إلى توظيف الدراما في تقديم محتوى تربوي يعالج أبرز القضايا التي يواجهها الأطفال والناشئة في البيئة الرقمية، ويعزز لديهم قيم الاستخدام الآمن والمسئول للتكنولوجيا، وحظي المسلسل بنسب مشاهدة كبيرة، تجاوزت الـ9 ملايين مشاهدة على المنصات الرقمية لدار الإفتاء وحدها، بالإضافة إلى المشاهدات الأخرى التي سجلتها قنوات التليفزيون المصري وقنوات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي أذاعت العمل، بما يعكس الاهتمام بمثل هذه الأعمال.

دراسات دولية تكشف تصاعد المخاطر الرقمية على الأطفال

وأوضح مؤشر الفتوى أن دعوة بريطانيا للحظر استندت إلى مؤشرات علمية ودراسات مجتمعية كشفت عن تصاعد الآثار السلبية للاستخدام غير المنضبط للمنصات الرقمية على الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي للأطفال، كما أن الحكومة البريطانية تعتزم إلزام شركات التواصل الاجتماعي بالتحقق الفعلي من أعمار المستخدمين، ومنع من هم دون السادسة عشرة من إنشاء الحسابات أو استخدامها، مع إسناد مهمة متابعة تنفيذ هذه الإجراءات إلى هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (Ofcom)، بما يعكس توجهًا نحو تحميل شركات التكنولوجيا مسئولية أكبر في توفير بيئة رقمية أكثر أمانًا للأطفال.

وبيّن مؤشر الفتوى أن القرار اعتمد على المشاورات التي أجرتها مؤسسة YouGov، وشارك فيها أكثر من (116) ألفًا من أولياء الأمور وممثلي قطاع التكنولوجيا والشباب، والتي أظهرت وجود تأييد مجتمعي واسع لاتخاذ إجراءات أكثر حزمًا لحماية الأطفال من مخاطر المنصات الرقمية.

حيث أظهرت نتائج الدراسة أن ثمانية من كل عشرة من أولياء الأمور يرون أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يؤثر سلبًا على أطفالهم، بينما أيَّد (77%) من الآباء الذين لديهم أبناء دون الثامنة عشرة فرض حظر على استخدام هذه المنصات لمن هم دون السادسة عشرة، في حين أكد (88%) منهم ضرورة قيام شركات التكنولوجيا بدور أكبر في حماية الأطفال من الآثار السلبية للمحتوى الرقمي، وأفاد (38%) بأن أبناءهم تعرضوا بالفعل لتأثيرات سلبية نتيجة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضاف المؤشر أن استطلاعًا آخر أجرته المؤسسة نفسها في ست دول أوروبية، هي: بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبولندا، وإسبانيا، كشف عن تأييد (79%) من المشاركين حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، وهو ما يعكس تزايد القناعة المجتمعية في أوروبا بضرورة وضع ضوابط أكثر صرامة لحماية الأطفال في البيئة الرقمية.

وأكد المؤشر أن هذه النتائج تعكس تحولًا واضحًا في الرأي العام الغربي؛ إذ لم يعد النقاش يدور حول فوائد المنصات الرقمية فحسب، وإنما امتد إلى البحث عن آليات عملية وتشريعية تحد من آثارها السلبية، وتحافظ على التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وصون الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال.

المؤسسات الإسلامية في الغرب: حماية الطفل مسؤولية مشتركة

وفي محاولة للوقوف على ردود الأفعال على دعوات الحظر رصد مؤشر الفتوى اهتمامًا متزايدًا من المؤسسات والمراكز الإسلامية، ولا سيما في بريطانيا، بقضية حماية الأطفال من مخاطر الاستخدام المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع التوجهات الحكومية الجديدة، حيث ركز الخطاب الديني والإفتائي على مسئولية الأسرة في توجيه الأبناء، وتعزيز الرقابة الواعية، وترسيخ ثقافة الاستخدام المسئول للتكنولوجيا.

وأوضح أن تلك المؤسسات حذرت من الآثار النفسية والسلوكية المترتبة على التعرض غير المنضبط للمحتوى الرقمي، وفي مقدمتها الإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، والتعرض للمحتويات غير الملائمة، وما يترتب على ذلك من تأثيرات في منظومة القيم والسلوك لدى الأطفال والناشئة.

وفي السياق ذاته، رحب مجلس مسلمي بريطانيا (Muslim Council of Britain) بالتوجهات الرامية إلى تشديد الضوابط على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أنها تمثل خطوة مهمة نحو حماية الأطفال وتعزيز صحتهم النفسية والجسدية، مع التأكيد على أن نجاحها يتطلب بالتوازي نشر الثقافة الرقمية، وتعزيز مساءلة شركات التكنولوجيا عن مسؤوليتها في توفير بيئة إلكترونية أكثر أمنًا.

كما دعا الأمين العام للمجلس، الآباءَ والأمهات إلى استثمار هذه الخطوة في استعادة الوقت الذي استحوذت عليه الشاشات، من خلال تعزيز الأنشطة الأسرية، وتشجيع الأبناء على التفاعل المباشر وممارسة الأنشطة المجتمعية، مؤكدًا أن التربية الرقمية تبدأ من القدوة؛ فالتزام الوالدين بالاستخدام المتوازن للتكنولوجيا يمثل الأساس في غرس السلوك الرقمي الرشيد لدى الأبناء، إلى جانب الحوار المستمر والتوجيه الواعي.

وأكد مؤشر الفتوى أن المتغيرات الدولية الراهنة تعزز أهمية النهج الذي تبنته دار الإفتاء المصرية خلال السنوات الماضية في التعامل مع تحديات العصر الرقمي، والذي يقوم على استباق المخاطر، وبناء الوعي المجتمعي، وتطوير أدوات الخطاب الإفتائي بما يواكب التحولات المتسارعة في البيئة الرقمية.

وأوضح أن دار الإفتاء لم تقتصر على إصدار الفتاوى والبيانات التحذيرية، وإنما عملت على تقديم مبادرات وبرامج توعوية تستهدف مختلف فئات المجتمع، ولا سيما الأطفال والناشئة وأولياء الأمور، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الوقاية الفكرية والسلوكية تبدأ قبل وقوع الضرر.

تم نسخ الرابط