رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

رجاء الجداوي.. تربت في بيت كاريوكا وخطفها الفن من الترجمة وأحبها حارس الإسماعيلي

رجاء الجداوي
رجاء الجداوي

لم تكن تجري خلف البطولة مطلقًا، ولا وراء مشهد قوي، ولا حتى حوار طويل، كان يكفي أن تظهر في مشهد لا يتجاوز الدقيقة، تجلس على كرسي في ركن هادئ، وترفع رأسها قليلًا، وقبل أن تبدأ بالكلام تشعر وكأن الشاشة كلها أصبحت أكثر أناقة. 

لم يكن الجمهور يناديها باسم الشخصية التي تؤديها، بل كان يكفي فخامة الاسم: رجاء الجداوي.

الـ"ست الشيك" التي تحولت إلى مرادف للرقي، وأقنعت أجيالًا كاملة بأن الشياكة ليست فستانًا باهظ الثمن، لكن خلف الصورة، و"برة الكادر"، كانت هناك حكاية بدأت بطفلة فقدت بيتها، وتربت في بيت أشهر راقصة في مصر.

من بيت كبير الأعيان إلى حضن كاريوكا

في 6 سبتمبر 1938، ولدت نجاة علي حسن الجداوي بالإسماعيلية لأسرة ميسورة، إذ كان والدها من كبار الأعيان، لكن الحياة لم تكن هادئة أو مستقرة؛ فقد انفصل الأب عن الأم، وتفرقت الأسرة، لتنتقل "رجاء" وشقيقها "فاروق" إلى القاهرة، ويعيشا في بيت خالتها تحية كاريوكا.

وكانت تقول عن خالتها: "تحية كاريوكا لم تكن بالنسبة لي نجمة استعراض، لكنها كانت الأم التي علمتني الانضباط، واحترام المواعيد، والاعتماد على النفس".

السينما تخطف موظفة الترجمة

درست رجاء الجداوي في مدارس الفرانسيسكان، وأتقنت الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، ثم التحقت بالعمل في قسم الترجمة بإحدى شركات الدعاية والإعلان.

لم تخطط لأن تصبح ممثلة، لكن الحياة غيرت مسارها عندما فازت بلقب "سمراء القاهرة"، ولقب "ملكة جمال القطن المصري" عام 1958، ثم حملت لقب "ملكة حوض البحر المتوسط".

تحولت موظفة الترجمة إلى أشهر عارضة أزياء في مصر، بينما كانت السينما تراقبها من بعيد، تتحين اللحظة المناسبة، التي جاءت عن طريق المخرج هنري بركات، الذي رأى فيها ما هو أبعد من وجه جميل، وأيقن أن بداخلها ممثلة موهوبة.

منحها بركات دور "خديجة"، ابنة المأمور، في فيلم دعاء الكروان عام 1959، وكانت تلك المرة الأولى التي تواجه فيها الكاميرا، لتفتح لها السينما ذراعيها، وتعتمدها ممثلة ووجهًا صاعدًا.

وقدمت بعده إشاعة حب ونور الليل وعجيبة، وبدأت تبني مشوارها الفني بهدوء، بعيدًا عن الضجيج أو سباق البطولة.

اقرأ أيضًا.. فصول من حياة أمين الهنيدي.. قلق من نجومية عادل إمام واحتُجز جثمانه مقابل 2000 جنيه

الهانم التي حيّرت المخرجين

كانت ملامحها الأرستقراطية سببًا في حيرة المخرجين؛ فبعضهم حصرها في دور "الهانم" أو "السيدة الراقية"، بينما رآها آخرون في أدوار "زوجة الباشا" أو "الأم المثقفة"، لكن رجاء الجداوي كانت أذكى من أن تستسلم لهذا التصنيف، وراحت تغرد خارج السرب.

وعندما وقفت أمام عادل إمام، اكتشف الجمهور الوجه الآخر الذي كانت تخفيه خلف قناع "الست الجادة"، فظهرت خفة دمها في فيلم حنفي الأبهة، وتحولت شخصية "خيرية" إلى واحدة من ألطف الشخصيات الكوميدية في الفيلم، إذ كانت تسقط مغشيًا عليها كلما شاهدت "حنفي"، ويتملكها الرعب من نظراته، بينما يحاول زوجها، الذي جسد دوره يوسف داود، إفاقتها، فتتحول المواقف إلى ضحك لا ينتهي.

وكان الزعيم تميمة حظها في الكوميديا، وبعد سنوات عادت في فيلم بوبوس، وخطفت الأنظار من جديد وهي تنادي على شقيقها: "لطفي... استنى يا لطفي"، لتؤكد أن الكوميديا لا تحتاج إلى "إفيهات" بقدر ما تحتاج إلى ممثل يعرف متى يقول الجملة، ومتى يصمت.

رجاء الجداوي عاصرت كل الأجيال

كانت موهبة رجاء الجداوي الحقيقية في قدرتها على الحفاظ على تألقها، حتى إن كل جيل كان يظن أنها واحدة منه.

عرفها جيل الأبيض والأسود، وشاهدها جيل أحمد زكي في موعد على العشاء والبيه البواب، وأحبها جيل التسعينيات في الزعيم والعائلة والرجل الآخر، بينما عرفها جيل الألفية الجديدة في أدوار الأم خلال السلم والثعبان وسهر الليالي وتيمور وشفيقة، ولم تغب كذلك عن جيل السوشيال ميديا، الذي تابعها في ريح المدام ولعبة النسيان.

النجاح في القاهرة.. والحب في السودان

وسط كل هذا النجاح، كانت رجاء الجداوي تعيش قصة مختلفة بعيدًا عن الكاميرات.

سافرت إلى السودان مع فرقة مسرحية روبابيكيا، وفي الوقت نفسه كان الكابتن حسن مختار يحرس مرمى النادي الإسماعيلي ومنتخب مصر في إحدى المباريات، تحولت الصدفة إلى قصة حب بين أشهر عارضة أزياء في مصر وأحد أفضل حراس المرمى في جيله، ثم إلى زواج استمر 46 عامًا.

أنجبا ابنتهما الوحيدة "أميرة"، وظل حسن مختار بالنسبة لها السند الحقيقي حتى رحيله عام 2016.

المعركة الوحيدة التي خسرتها رجاء

دخلت رجاء الجداوي المستشفى بعد إصابتها بفيروس كورونا في مايو 2020. ولم تكن هذه المرة تؤدي دورًا صغيرًا في مسلسل أو فيلم، بل كانت البطلة الحقيقية للحكاية.

وبعد 43 يومًا، خسرت معركتها مع المرض، وفي 5 يوليو 2020 رحلت رجاء الجداوي عن عمر ناهز 82 عامًا، تاركة خلفها نحو 400 عمل فني، تنوعت بين السينما والتليفزيون والمسرح، وألقابًا سبقت اسمها، لعل أشهرها "الست الشيك".

تم نسخ الرابط