فصول من حياة أمين الهنيدي.. قلق من نجومية عادل إمام واحتُجز جثمانه مقابل 2000 جنيه
"مش هنقدر نسلمكم الجثمان غير لما الحساب يتسدد".. الصمت يطبق على المكان داخل أحد مستشفيات القاهرة، بينما جثمان أمين الهنيدي ينتظر في الثلاجة، وفي الخارج يقف زملاؤه وأسرته يبحثون عن 2000 جنيه، قيمة ما تبقى من فاتورة العلاج.
بدا المشهد قاسيًا، وربما لا يليق برجل قضى عمره كله يوزع الضحك على الناس، لكنها كانت النهاية، أما البداية فكانت لطفل لم يكن يحلم بالشهرة بقدر ما كان يحلم بأن يقف يومًا ما فوق خشبة المسرح.
الفصل الأول.. الفنان يعرف نفسه
في مدينة المنصورة، عام 1925، وُلد أمين الهنيدي. كان طفلًا لا يشبه بقية إخوته؛ فمن بين ستة أشقاء، كان أمين الأكثر حبًا للفن.
كان يلقي المونولوجات والقفشات المأخوذة عن إسماعيل ياسين وشكوكو في الحفلات، وانضم إلى فرقة التمثيل بمدرسة شبرا الثانوية وهو في الثانية عشرة من عمره.
تملك الفن منه من رأسه حتى أخمص قدميه؛ يشاهد المسرحية، وعندما يعود إلى البيت يقلد أبطالها أمام المرآة. كان الفن بالنسبة إليه لعبة لا تنتهي، أما بالنسبة لوالده، الموظف الحكومي، فلم يكن سوى هواية "ما بتأكلش عيش".
كلما فكر في التمثيل أعاده الأب إلى الكتب، حتى حلمه بالالتحاق بكلية الفنون الجميلة تبخر بعدما رفض والده الفكرة، لأنه كان يرى في الوظيفة الحكومية الضمان الحقيقي للحياة.
اقرأ أيضًا.. سرق جده واشترى حلمه.. خيري بشارة فيلم لم ينتهي
الفصل الثاني.. مدرس صباحًا وفنان ليلًا
التحق بالمعهد العالي للتربية الرياضية نزولًا على رغبة والده، فتفرغ للدراسة صباحًا، بينما كان في المساء ينضم إلى فرقة الريحاني وفرقة تحية كاريوكا.
وبعين الفنان الموهوب، تنبأ له الريحاني بأنه سيصبح كوميديانًا لا يشق له غبار، بعدما شاهده يؤدي دور "جزار" في إحدى المسرحيات.
بعد تخرجه عام 1949، عمل مدرسًا للتربية الرياضية، لكن حب المسرح ظل يسكن قلبه حتى بعد سفره إلى السودان، حيث جمعته الأقدار بصديقه محمد أحمد المصري، الشهير بـ"أبو لمعة"، وما إن عاد إلى القاهرة حتى التحق الثنائي ببرنامج "ساعة لقلبك" مع عبد المنعم مدبولي.
كان أمين الهنيدي يتقاضى 99 قرشًا، وعلى الرغم من ضآلة الأجر، كان يقول إن تلك اللحظة هي ميلاده الحقيقي.

الضحك فوق المسرح والبكاء في الكواليس
عشق خشبة المسرح، وكان يعمل بلا توقف، ينشر البهجة ويجعلك تتحسس قلبك من فرط الضحك، لكن حياته كانت تراجيديا كئيبة؛ إذ كان يسعى إلى جمع ثمن علاج والدته.
وفي إحدى المسرحيات، دخل إليه من يخبره بأنها رحلت، فكان ذلك أقسى مشهد في حياته.
الفصل الرابع.. "الشيخ حسن" الذي أنقذه من النسيان
سنوات طويلة قضاها بين جنبات المسرح، يدخل ويخرج منه دون أن يلتفت إليه أحد، حتى جاءت شخصية واحدة قلبت موازين كل شيء.
"الشيخ حسن" في مسرحية "شفيقة القبطية"، لم يقدم أمين الهنيدي مجرد دور ناجح، بل قدم نفسه لأول مرة. طريقته التي جعلت الجمهور يضحك دون أن يبذل أي مجهود، حولت الرجل الذي كان يقف في آخر أسماء الفرقة إلى اسم يُكتب بحروف كبيرة على الأفيش.
عادل إمام.. النجم الذي أقلق الهنيدي
في أحد العروض ظهر ممثل شاب لا يتجاوز ظهوره دقائق، لكن ضحكات الجمهور كانت تلاحقه أينما وقف، كان اسمه عادل إمام.
شعر الهنيدي بالقلق، واعترض بالفعل على الإفيهات التي كان يلقيها، لأنها كانت تصنع ضحكًا لا يتوقف، وطلب من المنتج سمير خفاجة استبعاده؛ رفض خفاجة في البداية، لكن عادل إمام استُبعد بالفعل.
ربما لم يكن الهنيدي يدرك وقتها أن المسرح يشهد لحظة ميلاد نجم جديد، ومرت سنوات، وأصبح لكل منهما مدرسة مختلفة في الكوميديا.
الفصل الخامس.. كيف كان يصنع الضحك ويعيشه؟
صنع الهنيدي لنفسه مدرسة خاصة في الكوميديا؛ لم يكن يبحث عن الإفيه، بل كان يؤمن بأن الكوميديا لا تُكتب على الورق، وإنما تخرج من الإنسان وهو يتصرف بطبيعته.
لذلك تعلق الجمهور بكل الشخصيات التي قدمها؛ فصدقوه وهو يجسد "الحانوتي" في "أصل وصورة"، وضحكوا معه في "لوكاندة الفردوس"، حيث خرج من فمه إفيه تحول إلى جزء من الذاكرة المصرية: "بنات بابا".
كان بارعًا في صنع الشخصيات، يضع لها التفاصيل ويغوص داخلها حتى تخرج على الشاشة نابضة بالحياة. تألق في "حلمك يا شيخ علام"، ونجح في "عبود عبده عبود"، و"جوزين وفرد"، و"عائلة سعيدة جدًا".
وتوالت أعماله حتى بلغت نحو 60 فيلمًا، لم ينل فيها دور البطولة المطلقة. بدأها بفيلم "الأزواج والصيف" عام 1961، ثم توالت الأفلام الكوميدية، من أشهرها "شنطة حمزة"، و"غرام في الكرنك"، و"زوجة من باريس"، وكان آخرها "الحدق يفهم" عام 1986.

الفصل الأخير.. النهاية التي لم يتخيلها أمين
بعد سنوات من الضحك، عرف السرطان طريقه إلى جسده. قاوم المرض كما قاوم الفشل في بداية مشواره، لكن المرض حرمه الفن لسنوات، وتراكمت عليه الديون، وأصابه الاكتئاب.
سافر إلى لندن للعلاج على نفقة الدولة، وبعد عودته إلى القاهرة بأربع سنوات، انتشر المرض في جسده، وحتى وهو يتألم، أصر على أن ينتهي من تصوير آخر أفلامه "القطار".
وبعد ثلاث ساعات من خروجه من الاستوديو، لم يعد، وفي 3 يوليو 1986، رحل عن عمر ناهز 62 عامًا.
توقف الصوت الذي كان يسبق الضحكة بثوانٍ، لكن المأساة لم تنتهِ عند الوفاة، بل امتدت إلى داخل المستشفى، حين ظل جثمانه محتجزًا انتظارًا لسداد 2000 جنيه هي قيمة ما تبقى من فاتورة العلاج.
جمع زملاؤه المبلغ، وخرج الجثمان، لكن الحكاية لم تنتهِ؛ فقد بقيت أعماله شاهدة على موهبته، وبقي الضحك الذي صنعه حاضرًا كلما مر أمين الهنيدي على الشاشة.