سرق جده واشترى حلمه.. خيري بشارة فيلم لم ينتهي
المشهد الأول
فلاش باك – داخلي – نهار
طفل يقف في إحدى زوايا بيت جده في طنطا، يراقبه وهو يشوي اللحم. الرائحة تملأ المكان، بينما يتصاعد الدخان على شكل دوائر، وبعد الشواء يذهب اللحم كله إلى شقيقته الصغيرة.
كل ما فعله الطفل هو أن انتظر حتى دخل الجد إلى الحمام، والتقط سكينًا شق بها جيب جلباب جده، ثم مد يده وسحب ورقة مالية قيمتها عشرة جنيهات، كانت بمثابة ثروة صغيرة في فترة الخمسينيات.
ما إن وقعت الـ10 جنيهات في قبضة يده، حتى جرى نحو البقالة، واشترى فينو وجبنة وبسطرمة، ثم وقف أمام شباك تذاكر السينما واشترى تذكرة. ربما كانت هذه أول مرة يسرق فيها، لكنها كانت المرة الأولى التي يعثر فيها على نفسه.
يدخل إلى السينما متسللًا، ويجلس على طرف الكرسي، يتحسس نبضات قلبه التي تتسارع دقاتها. يخطفه الضوء القادم من أعلى ويتسلط فوق حائط أسود اللون، تنطفئ الإضاءة، وتدور الكاميرا، وتظهر أمامه شخصيات من لحم ودم تتحرك فوق ذلك الحائط.
يشاهد في الفيلم كل ألوان البشر؛ الضابط، والباشا، وزعيم العصابة، بينما يقول في سره: "يارب ما يجيبوا واحد سرق 10 جنيهات من جده".
المشهد الثاني
المكان: إحدى السينمات
الزمان: 1960
يخرج الولد من السينما، لكن السينما لم تخرج منه. في أحد الأيام نادته نداهة السينما مرة أخرى، فقطع تذكرة، وجلس يشاهد فيلم "نداء العشاق".
انتهى العرض، ولم يشغله أداء شكري سرحان أو براعة فريد شوقي، لكن ظل سؤال واحد يطارده:
"مين مخرج الفيلم ده؟"
كانت المرة الأولى التي يسمع فيها اسم يوسف شاهين. وللمرة الأولى اكتشف أن الأفلام لا تولد وحدها، وأن هناك شخصًا يخلق هذا العالم من خلف الكاميرا؛ في تلك اللحظة تغير حلمه، ولم يعد يريد أن يجلس في مقعد المتفرج، بل أراد أن يجلس خلف الكاميرا، ويكون الوحيد الذي يحق له أن ينطق كلمة: "أكشن".
المشهد الثالث
ليل – داخلي
لم يغب عنه مشهد "السكين" التي شق بها جيب جلباب جده، فالتقطها مرة أخرى، ولكن هذه المرة شق بها حقيبة خاله، ووجد بداخلها مجموعة لا بأس بها من الكتب المكتوبة باللغة الإنجليزية؛ وقتها سأل والدته عن وظيفة خاله، فقالت إنه مترجم وممثل ومخرج.
تولدت بداخله رغبة في أن يصبح ممثلًا، لكنه أدرك أنه لا يجب أن يمتهن سوى الإخراج. حينها سأله خاله: "هتقدر تبقى زي النجوم الكبار ولا واحد زي آلاف الكومبارسات؟" بعدها دخل في نوبة بكاء طويلة، وقرر أن يكون مخرجًا يوجه الفنانين، ويضبط زوايا الكاميرا، ويصنع الحكايات، ويُكتب في نهاية تتر الفيلم: "إخراج خيري بشارة".
اقرأ أيضًا.. خاص | وفاء عامر تكشف كواليس «المصحة»: ورثت مستشفى للأمراض النفسية وأعاني من ابتزاز المجانين
المشهد الرابع
القاهرة – حي شبرا
انتقل برفقة أسرته إلى القاهرة، واستقر في حي شبرا، والتحق بمعهد السينما عام 1964. وبعد التخرج سافر إلى بولندا لدراسة الزمالة، وبعد عودته عمل مساعد مخرج، وقام بتدريس الكتابة والتمثيل في الفيلم البولندي الشهير "في الصحراء والبراري"، وخرج من تحت يديه عدد كبير من الأفلام الوثائقية والقصيرة، أشهرها "صائد الدبابات".
كان خيري بشارة يبحث في طريقه عن الناس الذين لا يظهرون على الشاشة؛ الأبطال الذين يعيشون في الشوارع الضيقة، يراقب طريقة الكلام والانفعالات والصمت والضحك والبكاء.
لم يكن يدري أنه يجمع شخصيات أفلامه القادمة التي تصنع واقعية لها رائحة. لم يكن يريد بشارة أن يخلق أبطالًا خارقين، لكن أبطال أفلامه يشبهون العاديين ممن يقابلهم في الشارع؛ البسطاء وقليلو الحيلة. هؤلاء هم من تشاهدهم في "العوامة 70" و"الطوق والإسورة" و"يوم مر ويوم حلو"، بعد أن قرر تغيير قواعد اللعبة وكسر جمود أبطال الأفلام الموجودة في تلك الفترة.
ينتصر لأبطال أفلامه على شاشة السينما؛ يكفيهم الهزيمة في الواقع والحياة. تجده في "كابوريا" يدافع عن بطله "حسن هدهد"، ويخلق لشخصيته كل التفاصيل الصغيرة، حتى قصة الشعر على طريقة الملاكم تايسون، حتى لو اختلف مع أحمد زكي على حلاقة شعره، ويتمسك بها لأنها كانت جزءًا من بناء الشخصية، ليبقى الفيلم واحدًا من أهم ما قدمه بشارة وزكي.
كان بشارة يراهن على أبطال أفلامه؛ يتحمس لعمرو دياب ويسند إليه بطولة "آيس كريم في جليم"، أو لمحمد فؤاد في "أمريكا شيكا بيكا"، أو يخوض "حرب الفراولة" مع محمود حميدة وسامي العدل، أو يقف في "إشارة مرور" مع ليلى علوي، ولا يجد ما يمنعه من أن يلقي "قشر البندق" ناحية حميد الشاعري، وفي كل مرة يكسب رهانه، وتنجح أفلامه التي صنعها بقلب المحب وعين العاشق.
يذهب ناحية التليفزيون ويلقي في جعبته الكثير؛ "ملح الأرض" و"ريش نعام" و"الطوفان" و"الفريسة والصياد" و"لعنة كارما". وهو يصنع الدراما، ما زال قلبه متعلقًا ببيته الأول، السينما، يتحين اللحظة حتى يعود ومعه بطل من الواقع لا أحد يشبهه، وبطل من الفنانين لا أحد يتوقعه.
المشهد الأخير
ليل – خارجي – أمام دار سينما
رجل يرتدي ملابس كاجوال، يقف أمام إحدى دور العرض، ويشاهد أفيش فيلم يحمل في آخره اسمه: "إخراج خيري بشارة".
يتذكر أول مرة دخل فيها السينما، ووقف أمام شباك التذاكر يشتري تذكرة بأموال مسروقة من جيب جلباب جده. يضحك، ثم ينطلق بسيارته ويغادر المكان، لكنه لم يغادر السينما أبدًا، تاركًا خلفه عشرات الأفلام التي لا تزال باقية على مر الزمن، وجمهورًا يستمتع بالسحر، بينما هو يبقى "فيلمًا" لم ينتهِ.