رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

أستاذ تاريخ يكشف السر.. لماذا وثق المصريون القدماء حروبهم على جدران المعابد؟

جدران المعابد
جدران المعابد

أكد الدكتور عمر المعتز بالله، أستاذ تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم، أن الحضارة المصرية القديمة امتلكت رؤية استثنائية في توثيق الأحداث الكبرى، وعلى رأسها الانتصارات العسكرية، مشيرًا إلى أن المصريين القدماء أدركوا منذ تأسيس الدولة المصرية أن تسجيل الإنجازات وحفظها يمثل جزءًا أساسيًا من بناء الدولة وترسيخ هويتها عبر الأجيال.

وأوضح أن المصري القديم لم ينظر إلى الانتصارات العسكرية باعتبارها أحداثًا مؤقتة تنتهي بانتهاء المعركة، بل تعامل معها باعتبارها صفحات خالدة من تاريخ الوطن، تستحق أن تُحفظ في ذاكرة الأمة لتبقى شاهدة على قوة الدولة المصرية وقدرتها على حماية حدودها وصون استقرارها.

وأشار إلى أن هذا الوعي الحضاري المبكر يعكس مدى إدراك المصريين القدماء لأهمية التاريخ، إذ لم يتركوا أحداثهم عرضة للنسيان، وإنما سعوا إلى تخليدها بأساليب فنية ومعمارية متطورة جعلت من آثارهم مصدرًا رئيسيًا لمعرفة تاريخ مصر حتى يومنا هذا.

الكتابة البصرية.. ابتكار مصري جمع بين الفن والتاريخ

وخلال لقائه ببرنامج «صباح جديد» المذاع عبر شاشة «القاهرة الإخبارية»، أوضح الدكتور عمر المعتز بالله أن المصري القديم لم يعتمد على الكتابة الهيروغليفية وحدها في تسجيل الوقائع التاريخية، بل ابتكر أسلوبًا فريدًا يمكن وصفه بـ«الكتابة البصرية»، وهو نظام متكامل يجمع بين النصوص والنقوش والرسوم في سرد تاريخي متسلسل للأحداث.

وأوضح أن الفنان المصري القديم استطاع أن يحول جدران المعابد إلى صفحات تاريخية تنطق بالأحداث، حيث كانت كل لوحة أو نقش يروي جزءًا من قصة المعركة، بداية من الاستعدادات العسكرية، مرورًا بمشاهد القتال، ووصولًا إلى لحظة الانتصار وعودة الجيش منتصرًا.

وأكد أن هذه الأعمال لم تكن مجرد زخارف لتزيين جدران المعابد، وإنما وثائق تاريخية دقيقة تحمل معلومات غاية في الأهمية حول الحملات العسكرية، وتنظيم الجيوش، والأسلحة المستخدمة، وأسماء الملوك، والشعوب التي خاضت مصر ضدها الحروب.

وأضاف أن هذا الأسلوب المبتكر جعل الفن المصري القديم يؤدي دورًا مزدوجًا، فهو في الوقت نفسه عمل فني بالغ الإبداع، ووثيقة تاريخية تحفظ تفاصيل الأحداث بدقة لآلاف السنين.

وأشار أستاذ تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم إلى أن النقوش التي خلفها المصريون القدماء تعد اليوم من أهم المصادر التي يعتمد عليها الباحثون والمؤرخون في دراسة التاريخ العسكري لمصر القديمة.

وأوضح أن هذه النقوش تقدم وصفًا متكاملًا للحملات العسكرية، بما يشمل تحركات الجيوش، وخطط القتال، وانتصارات الملوك، فضلًا عن تصوير الأسرى والغنائم، وهو ما يجعلها سجلًا تاريخيًا متكاملًا يفوق في كثير من الأحيان مجرد الروايات المكتوبة.

وأكد أن الفنان المصري القديم كان يمتلك قدرة استثنائية على المزج بين الدقة التاريخية والجمال الفني، فخرجت النقوش في صورة تجمع بين القيمة التوثيقية والإبداع الفني الذي ما زال يبهر العالم حتى الآن.

وأوضح الدكتور عمر المعتز بالله أن العقيدة المصرية القديمة أولت أهمية كبيرة لفكرة الدفاع عن الوطن، معتبرًا أن حماية حدود الدولة كانت من المبادئ الأساسية التي قامت عليها الحضارة المصرية.

وأشار إلى أن هذا المفهوم انعكس بوضوح في المشاهد المنقوشة على جدران المعابد، حيث ركزت على إبراز الملوك وهم يقودون الجيوش ويحققون الانتصارات، في مشاهد تجسد انتصار النظام والاستقرار على الفوضى والعدوان.

وأضاف أن هذه الأعمال الفنية لم تكن مجرد وسيلة لتمجيد الملوك، بل كانت تحمل رسالة حضارية تؤكد أن الدفاع عن الأرض واجب مقدس، وأن استقرار الدولة يمثل قيمة عليا تستحق التضحية من أجلها.

لماذا اختار المصريون المعابد لتسجيل انتصاراتهم؟

وأكد أستاذ تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم أن اختيار المعابد لتوثيق الأحداث العسكرية لم يكن قرارًا عشوائيًا، وإنما جاء نتيجة إدراك عميق لمكانة هذه المنشآت الدينية باعتبارها رمزًا للخلود والاستمرارية.

وأوضح أن القصور والمباني المدنية كانت أكثر عرضة للاندثار مع مرور الزمن، بينما صُممت المعابد لتبقى لقرون طويلة، وهو ما جعلها المكان الأمثل لحفظ ذاكرة الدولة المصرية.

وأشار إلى أن جدران المعابد تحولت إلى أرشيف ضخم يسجل أهم الأحداث السياسية والعسكرية والدينية، الأمر الذي ساهم في وصول تفاصيل تلك الوقائع إلى العصر الحديث، رغم مرور آلاف السنين على حدوثها.

 

اقرأ أيضاً.. معارك حاسمة جنوبًا وأزمة إنسانية غربًا.. السودان أمام مرحلة فاصلة

تم نسخ الرابط