الدكتور إبراهيم الهدهد.. رحلة عالم أزهري قاد جامعة الأزهر نحو التطوير والتميز
يُعد فضيلة الدكتور إبراهيم الهدهد، الرئيس الخامس عشر لجامعة الأزهر، واحدًا من أبرز القيادات العلمية والإدارية التي تركت بصمة واضحة في تاريخ الجامعة، بعدما قاد مرحلة شهدت توسعًا في التطوير الأكاديمي، والانفتاح على التصنيفات الدولية، وإنشاء عدد من المشروعات العلمية والبحثية التي أسهمت في تعزيز مكانة جامعة الأزهر محليًا وإقليميًا ودوليًا.
وخلال فترة توليه رئاسة الجامعة، أطلق العديد من المبادرات التي استهدفت تحديث البنية التعليمية والبحثية، من بينها تأسيس مكتب التميز الدولي، وإنشاء المكتبة الرقمية، وسفارة المعرفة بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية، إلى جانب افتتاح كليتي الإعلام والتربية الرياضية بمدينة نصر، فضلًا عن تطوير اللوائح الدراسية واستحداث كيانات أكاديمية جديدة، بما عزز مسيرة الجامعة نحو التحديث والاعتماد الأكاديمي.
نشأة قرآنية في محافظة القليوبية
وُلد الدكتور إبراهيم الهدهد في الخامس والعشرين من مايو عام 1964 بقرية طحلة التابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية، ونشأ في بيئة أزهرية غرست فيه حب القرآن الكريم واللغة العربية منذ سنواته الأولى.
بدأ رحلته التعليمية بحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ القراءة والكتابة والحساب على يد الشيخ موسى شعلان، الذي عُرف باهتمامه الشديد بتربية طلابه علميًا وسلوكيًا، حيث كان يتابع أداءهم للصلاة ويحاورهم فيما استمعوا إليه من تلاوة القرآن، وهو ما أسهم في تكوين شخصية علمية ودعوية مبكرة للدكتور الهدهد.
تفوق دراسي مبكر ومسيرة علمية متميزة
التحق بمعهد بنها الأزهري، وحصل على الشهادة الإعدادية عام 1978، ثم نال الثانوية الأزهرية عام 1983، محققًا المركز الرابع على مستوى الجمهورية، وهو إنجاز عكس تميزه العلمي منذ سنوات الدراسة الأولى.
وفي تلك المرحلة، لم يقتصر نشاطه على الدراسة، بل بدأ في إلقاء الدروس والخطب بمساجد قريته، حتى اشتهر بين أهالي المنطقة بلقب "الشيخ"، رغم أنه كان لا يزال طالبًا في المرحلة الثانوية.
كما أولى اهتمامًا خاصًا باللغة العربية، فكان يقتطع جزءًا من مصروفه الشخصي لشراء الكتب والصحف، ومتابعة كبار الأدباء والكتّاب، وهو ما دفعه لاحقًا إلى الالتحاق بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، التي تخرج فيها عام 1987 بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف.
عُين الدكتور إبراهيم الهدهد معيدًا بكلية اللغة العربية عام 1988، ثم تخصص في البلاغة والنقد، فحصل على درجة الماجستير عام 1991 بتقدير ممتاز عن رسالته "أسرار تنوع تشبيهات القرآن الكريم".
وفي عام 1994 نال درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عن رسالته "علاقة المطالع بالمقاصد في القرآن الكريم.. دراسة بلاغية نظرية تطبيقية"، قبل أن يُعين مدرسًا بالكلية.
وخلال مسيرته العلمية، أُعير إلى سلطنة عُمان بين عامي 1997 و2003، حيث أسهم في تطوير المؤسسات التعليمية التي عمل بها، كما حصل أثناء فترة الإعارة على درجة أستاذ مساعد، ثم نال درجة الأستاذية عام 2004، ليصبح من أصغر الأساتذة الذين حصلوا على هذا اللقب العلمي في جامعة الأزهر.
واصل الدكتور الهدهد مسيرته الإدارية بتوليه منصب وكيل كلية اللغة العربية بالقاهرة عام 2008، قبل أن يُنتخب عميدًا للكلية عام 2011.
وفي فبراير 2013، صدر قرار بتعيينه نائبًا لرئيس جامعة الأزهر لشؤون التعليم والطلاب، ثم تولى رئاسة الجامعة عام 2015، حيث قاد المؤسسة الأزهرية خلال مرحلة شهدت تنفيذ عدد كبير من مشروعات التطوير والتحديث.
مشروعات تطوير غيرت ملامح الجامعة
شهدت فترة رئاسة الدكتور إبراهيم الهدهد تنفيذ عدد من المشروعات التي تركت أثرًا واضحًا في تطوير جامعة الأزهر، وكان من أبرزها إنشاء مكتب التميز الدولي، الذي أسهم في إدراج الجامعة داخل عدد من التصنيفات العالمية.
كما أنشأ سفارة المعرفة بالمكتبة المركزية بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية، إلى جانب تأسيس المكتبة الرقمية بالتعاون مع جمعية الطلبة الكويتيين، بما وفر مصادر معرفية حديثة للباحثين والطلاب.
وشهدت الجامعة كذلك افتتاح أربعة مبانٍ جديدة بالمدينة الجامعية عُرفت باسم "مباني إندونيسيا"، بالإضافة إلى افتتاح المقرات الجديدة لكليتي الإعلام والتربية الرياضية بمدينة نصر.
ومن أبرز المحطات التي شهدتها تلك الفترة أيضًا، احتضان كلية الإعلام لأول مناقشة علمية لرسالة ماجستير داخل مقرها الجديد، إلى جانب إنشاء مراكز "إبصار" لخدمة الطلاب من ذوي الإعاقة البصرية.
قاد الدكتور الهدهد عملية تطوير واسعة للبرامج الأكاديمية، حيث تم تعديل مدة الدراسة في شعبة القانون بكليات الشريعة لتصبح أربع سنوات بدلًا من خمس، كما طُبق النظام نفسه على عدد من شعب اللغات.
كما شهدت فترة رئاسته تحويل عدد من الفصول التابعة إلى كليات مستقلة، من بينها كليات البنات بالخانكة والقرين والمنيا وأسوان، وهو ما أسهم في توسيع انتشار جامعة الأزهر وتطوير خدماتها التعليمية.
بعد انتهاء فترة رئاسته للجامعة، واصل الدكتور إبراهيم الهدهد أداء أدواره العلمية، حيث تولى إدارة مركز جامعة الأزهر لتحقيق النصوص، كما شغل منصب المستشار العلمي والثقافي للمنظمة العالمية لخريجي الأزهر.
كما تولى عمادة المعهد العالي لدراسات التصوف، ورئاسة تحرير مجلة "تراثيات"، وعضوية عدد كبير من المجالس العلمية والبحثية داخل مصر وخارجها، من بينها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومجلس الاعتماد الأكاديمي لبرامج اللغة العربية والعلوم الشرعية بالمملكة العربية السعودية، والمركز الدولي لأبحاث الإعجاز العلمي.
شارك الدكتور إبراهيم الهدهد في العديد من المؤتمرات والملتقيات العلمية الدولية، وزار عددًا كبيرًا من الدول، من بينها إيطاليا والهند وباكستان وماليزيا وإندونيسيا وروسيا والإمارات.
كما شارك في بعثات علمية نظمها المركز الدولي للدراسات والبحوث السكانية بجامعة الأزهر بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، وشملت دولًا إفريقية عدة، وأسهم في إعداد عدد من الأدلة والبحوث المتعلقة بالأسرة، والصحة، والعنف ضد المرأة والطفل، وقضايا تنظيم الأسرة، والفتاوى المرتبطة بجائحة كورونا.
ترك الدكتور إبراهيم الهدهد إرثًا علميًا كبيرًا، تمثل في ما يقرب من سبعين بحثًا علميًا وثمانية عشر كتابًا متخصصًا في البلاغة والدراسات القرآنية، إلى جانب مشاركته في تحقيق عدد من كتب التراث.
كما أشرف على مناقشة نحو 165 رسالة ماجستير ودكتوراه، وأسهم في إعداد أجيال من الباحثين الذين تولوا لاحقًا مناصب أكاديمية وقيادية داخل جامعة الأزهر.
ولا يزال الدكتور إبراهيم الهدهد يواصل أداء رسالته العلمية، من خلال عضويته في مجلس جامعة الأزهر، وعضوية مجمع البحوث الإسلامية، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وهيئات علمية وبحثية متعددة، فضلًا عن مشاركته في مشروعات علمية كبرى، من أبرزها موسوعة التفسير البلاغي للقرآن الكريم، وموسوعة القرآن اللغوية والدلالية.
اقرأ أيضاً.. لحظات إيمانية مهيبة داخل الحرم.. غسل الكعبة المشرفة يجسد سنة إسلامية عريقة

