د. حنان نجيب تكتب: بورصة الحوافز الاستثمارية ومؤشر كفاءة الحوافز: إطار جديد لتعظيم العائد الاقتصادي من الاستثمار في مصر
شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في بيئة الاستثمار من خلال تنفيذ العديد من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية، وتطوير البنية التحتية، والتوسع في المناطق الاستثمارية والصناعية، إلى جانب إطلاق مبادرات تستهدف تمكين القطاع الخاص وتعزيز قدرته على النمو والتصدير وخلق فرص العمل.
وقد ساهمت هذه الجهود في تعزيز تنافسية المحافظات وجذب استثمارات متنوعة، كما أظهرت العديد من النماذج الناجحة قدرة المحافظات على تحويل المقومات المحلية إلى فرص إنتاجية واستثمارية حقيقية تدعم النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
ومع استمرار الدولة في تطوير منظومة الاستثمار، تبرز أهمية البحث عن أدوات مبتكرة تساعد على تعظيم العائد الاقتصادي من الحوافز الاستثمارية، وتدعم التنافس الإيجابي بين المحافظات على جذب المشروعات الأكثر قدرة على تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
ومن هنا تبرز فكرة إنشاء "بورصة الحوافز الاستثمارية"، باعتبارها منصة وطنية رقمية وشفافة تربط بين المستثمرين والمحافظات والمناطق الاقتصادية من خلال آلية تنافسية حديثة تتيح توجيه الحوافز نحو المشروعات الأعلى أثرًا اقتصاديًا.
وتقوم الفكرة على منح كل مشروع استثماري جديد تصنيفًا اقتصاديًا وفق مجموعة من المؤشرات، تشمل فرص العمل المتوقعة، وحجم الصادرات، ونسبة المكون المحلي، ومدى مساهمة المشروع في نقل التكنولوجيا، وتعميق الصناعة، وزيادة الإنتاج.
ولتعزيز موضوعية التقييم وكفاءة توجيه الحوافز، يمكن استحداث مؤشر كفاءة الحوافز الاستثمارية (Investment Incentive Efficiency Index - IIEI) ليكون الأداة الرئيسية لتقييم المشروعات وترتيب أولوياتها داخل بورصة الحوافز الاستثمارية. ويهدف المؤشر إلى قياس العائد الاقتصادي المتوقع لكل وحدة من الحوافز الممنوحة، بما يضمن توجيه الموارد العامة نحو المشروعات الأعلى قدرة على تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
ويمكن احتساب المؤشر وفق معادلة استرشادية تجمع بين أهم المخرجات الاقتصادية المتوقعة للمشروع، وذلك على النحو التالي:
مؤشر كفاءة الحوافز الاستثمارية = (القيمة المضافة المتوقعة + الصادرات المتوقعة + الأجور السنوية + الإيرادات الضريبية المتوقعة) ÷ إجمالي قيمة الحوافز الممنوحة.
كما يمكن تطوير المؤشر مستقبلاً ليشمل أوزانًا نسبية لعناصر أخرى، مثل نقل التكنولوجيا، ومستوى الابتكار، وكفاءة استخدام الطاقة، ونسبة المكون المحلي، ومدى مساهمة المشروع في تحقيق مستهدفات التنمية الإقليمية.
وبعد تحديد التصنيف الاقتصادي للمشروع واحتساب مؤشر كفاءة الحوافز الاستثمارية، يتم إدراج المشروع على المنصة لتبدأ المحافظات أو المناطق الاستثمارية في تقديم عروضها لاستضافته من خلال حزم متنوعة من الحوافز والتيسيرات المتاحة وفقًا للأطر القانونية المنظمة.
وتتميز هذه الآلية بأن جميع الحوافز المقدمة يتم الإفصاح عنها بصورة واضحة، سواء كانت أراضي أو مرافق أو خدمات لوجستية أو برامج تدريب أو تسهيلات إجرائية، بما يسمح بمقارنة العروض المختلفة وفق أسس موضوعية تراعي التوازن بين تكلفة الحوافز والعائد الاقتصادي المتوقع.
كما يتم إعلان نتائج المنافسة بصورة شفافة، موضحًا بها الجهة الفائزة، وطبيعة الحوافز المقدمة، وقيمة مؤشر كفاءة الحوافز الاستثمارية المستهدف تحقيقه، والأثر الاقتصادي المتوقع للمشروع، الأمر الذي يسهم في تعزيز الشفافية وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات بين المحافظات.
ومن شأن هذه المنظومة أن تخلق نمطًا جديدًا من المنافسة الإيجابية، حيث تسعى كل محافظة إلى تطوير خدماتها وتحسين جاهزيتها الاستثمارية لجذب المشروعات النوعية ذات القيمة المضافة المرتفعة، بما يدعم التنمية المحلية ويعزز مساهمة المحافظات في النمو الاقتصادي.
كما يمكن أن تسهم البورصة في بناء قاعدة بيانات وطنية متكاملة تساعد متخذي القرار على تحديد أكثر الحوافز فاعلية، وأفضل القطاعات الاستثمارية أداءً، وأكثر المحافظات قدرة على استقطاب الاستثمارات الإنتاجية والتصديرية، فضلًا عن قياس العائد الاقتصادي الفعلي للحوافز الممنوحة ومراجعة كفاءتها بصورة دورية.
وانطلاقًا من النجاحات التي حققتها الدولة في تطوير بيئة الاستثمار وتعزيز تنافسية المحافظات، قد يكون من المفيد دراسة إطلاق منصة وطنية للحوافز الاستثمارية تحت إشراف وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، وبالتنسيق مع الجهات المعنية، بما يسهم في تعزيز التنافس الإيجابي بين المحافظات واستقطاب المشروعات الأعلى قيمة مضافة، ودعم جهود الدولة في زيادة الإنتاج والتشغيل والصادرات.
لقد نجحت مصر في بناء بيئة استثمارية أكثر جذبًا وتنافسية، وقد يكون التحدي القادم هو الانتقال من مرحلة جذب الاستثمار إلى مرحلة تعظيم القيمة الاقتصادية الناتجة عنه، من خلال آليات حديثة تضمن الاستخدام الأمثل للحوافز الاستثمارية وتوجهها نحو المشروعات القادرة على تحقيق أكبر أثر اقتصادي وتنموي.
ففي عالم يتزايد فيه التنافس على الاستثمارات النوعية، قد تمثل «بورصة الحوافز الاستثمارية» المدعومة بمؤشر كفاءة الحوافز الاستثمارية خطوة جديدة نحو تطوير سياسات استثمارية قائمة على البيانات والنتائج، بما يدعم رؤية الدولة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية واستدامة.