الأزهر يفتح ملف الزواج القسري ويؤكد: الرضا أساس بناء الأسرة
في تحرك جديد يؤكد دور الأزهر الشريف في التصدي للقضايا المجتمعية المؤثرة في استقرار الأسرة المصرية، أطلق مجمع البحوث الإسلامية مبادرة توعوية شاملة تحت عنوان «اختيار لا إجبار»، تستهدف ترسيخ الوعي بحق الفتاة في اختيار شريك حياتها وتصحيح المفاهيم المغلوطة المرتبطة بقضية الزواج، بما يتوافق مع تعاليم الشريعة الإسلامية التي جعلت الرضا والقبول المتبادل أساسًا لبناء الأسرة واستقرارها.
وتأتي المبادرة في إطار جهود الأزهر الشريف المتواصلة لنشر الوعي الديني الصحيح، وتنفيذًا لتوجيهات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الداعية إلى ترسيخ القيم الأسرية السليمة وحماية المجتمع من الممارسات والعادات التي قد تهدد تماسك الأسرة أو تؤثر على استقرارها.
تمثل مبادرة «اختيار لا إجبار» خطوة مهمة نحو تعزيز ثقافة الاختيار الواعي والمسؤول في الزواج، حيث تسعى إلى معالجة بعض الموروثات الاجتماعية التي ما زالت تؤثر على قرارات الزواج في بعض البيئات، خاصة ما يتعلق بإجبار الفتيات على الارتباط بأشخاص لا يرغبن في الزواج منهم أو حرمانهن من حقهن في إبداء الرأي والاختيار.
ويؤكد مجمع البحوث الإسلامية أن المبادرة تنطلق من رؤية شرعية واضحة تعتبر أن الزواج ميثاق غليظ يقوم على المودة والرحمة والتفاهم، ولا يمكن أن يحقق أهدافه إذا افتقد أحد أهم شروطه الأساسية وهو الرضا الكامل بين الطرفين.
ومن هذا المنطلق، تعمل المبادرة على نشر المفاهيم الشرعية الصحيحة التي تؤكد أن الإسلام كفل للمرأة حقها في القبول أو الرفض، وأن الإكراه على الزواج يتعارض مع المقاصد الشرعية التي تستهدف تحقيق السكينة والاستقرار داخل الأسرة.
وتستهدف المبادرة تصحيح عدد من المفاهيم الاجتماعية التي ترسخت عبر سنوات طويلة نتيجة بعض العادات والتقاليد غير المنضبطة بالضوابط الشرعية.
ففي الوقت الذي يمنح فيه الإسلام المرأة حقها الكامل في اختيار شريك حياتها، لا تزال بعض الممارسات المجتمعية تحاول فرض قرارات الزواج عليها دون مراعاة لرغبتها أو قناعتها، وهو ما قد يؤدي إلى مشكلات أسرية ونفسية واجتماعية تمتد آثارها لسنوات طويلة.
ومن هنا تأتي أهمية المبادرة التي تسعى إلى توضيح الفرق بين التعاليم الإسلامية الصحيحة والعادات الاجتماعية الخاطئة، مع التأكيد على أن حسن الاختيار يمثل حجر الأساس في بناء حياة زوجية مستقرة وناجحة.
وفي إطار تنفيذ أهداف المبادرة، وضع مجمع البحوث الإسلامية خطة توعوية متكاملة تستهدف الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المواطنين في مختلف المحافظات.
وتشمل الخطة تنظيم برامج تثقيفية متنوعة ولقاءات مباشرة مع المواطنين، إضافة إلى تقديم محتوى رقمي متخصص عبر المنصات الإلكترونية المختلفة، يشارك في إعداده وتقديمه علماء الأزهر ووعاظه وواعظاته.
وتهدف هذه الأنشطة إلى نشر الثقافة الأسرية السليمة وتعريف الشباب والفتيات بالأسس الشرعية لاختيار شريك الحياة، إلى جانب توضيح الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، بما يساعد على بناء أسر أكثر استقرارًا وتماسكًا.
كما تسعى المبادرة إلى فتح حوار مجتمعي واسع حول القضايا المرتبطة بالزواج والأسرة، بما يسمح بتبادل الخبرات والرد على التساؤلات وتصحيح المفاهيم الشائعة الخاطئة.
من جانبه، أكد الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن مبادرة «اختيار لا إجبار» تأتي ضمن استراتيجية المجمع الرامية إلى معالجة القضايا المجتمعية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
وأوضح أن الشريعة الإسلامية جعلت الرضا والقبول المتبادل بين الزوجين شرطًا أساسيًا لتحقيق مقاصد الزواج، مشيرًا إلى أن أي علاقة زوجية ناجحة لا بد أن تقوم على الاقتناع والتفاهم والرغبة المشتركة بين الطرفين.
وأضاف أن حسن الاختيار لا يقتصر على مرحلة ما قبل الزواج فقط، بل يعد من أهم العوامل المؤثرة في استقرار الأسرة واستمرارها، لما يحققه من توافق نفسي واجتماعي وفكري بين الزوجين.
وأشار إلى أن المبادرة تستهدف نشر هذا الفهم الصحيح بين مختلف شرائح المجتمع، خاصة الشباب والفتيات المقبلين على الزواج وأولياء الأمور، بما يساعد على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا ونضجًا
وأوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أن المبادرة تعتمد على خطاب توعوي متوازن يجمع بين التأصيل الشرعي الرصين والمعالجة الواقعية للمشكلات التي تواجه الأسر في المجتمع المعاصر.
وأشار إلى أن الهدف ليس مجرد عرض الأحكام الشرعية بصورة نظرية، وإنما تقديم معالجة عملية للقضايا المرتبطة بالزواج من خلال ربط النصوص الشرعية بالواقع الاجتماعي الذي يعيشه الناس.
وأكد أن هذا النهج يسهم في بناء وعي مجتمعي أكثر نضجًا وإدراكًا لأهمية الاختيار الحر القائم على الاقتناع المتبادل، بعيدًا عن الضغوط الاجتماعية أو الحسابات الضيقة التي قد تؤدي إلى زيجات غير مستقرة.
ومن المقرر أن تشهد الفترة المقبلة تنظيم سلسلة موسعة من الندوات واللقاءات التوعوية في مختلف محافظات الجمهورية، بالتعاون بين اللجنة العليا للدعوة والأمانة المساعدة للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية.
وستتناول هذه الندوات العديد من المحاور المهمة، من بينها الضوابط الشرعية لاختيار شريك الحياة، وأهمية التوافق الفكري والنفسي، وحقوق الزوجين وواجباتهما، فضلًا عن مناقشة أبرز العادات الخاطئة المرتبطة بقضايا الزواج.
كما ستوفر هذه اللقاءات منصة مباشرة للتواصل مع المواطنين والإجابة عن استفساراتهم المتعلقة بالحياة الأسرية، بما يعزز من نشر الوعي الصحيح ويساعد على مواجهة الأفكار المغلوطة.
وتؤكد هذه المبادرة استمرار اهتمام الأزهر الشريف بملف الأسرة باعتباره أحد أهم الملفات المجتمعية التي ترتبط بشكل مباشر باستقرار المجتمع وتماسكه.
اقرأ أيضاً.. صنع في مصر.. نيسان تبدأ إنتاج «سيارة ماجنيت» محليًا في مصنع 6 أكتوبر

