رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

كنز أثري جديد تحت قلعة صلاح الدين.. اكتشاف نظام مائي مملوكي متكامل

محيط قلعة صلاح الدين
محيط قلعة صلاح الدين

في كشف أثري جديد يسلط الضوء على عظمة العمارة والهندسة الإسلامية في مصر، أسفرت أعمال الحفائر الجارية بمحيط قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة عن العثور على نظام مائي متكامل يعود إلى العصر المملوكي، في اكتشاف يفتح نافذة واسعة على أساليب إدارة الموارد المائية داخل أحد أهم المراكز السياسية والعسكرية في التاريخ المصري.

ويُعد هذا الكشف من أبرز الاكتشافات الأثرية الحديثة التي تسهم في إعادة رسم صورة أكثر وضوحًا للحياة اليومية داخل القلعة، التي ظلت مقرًا للحكم ومركزًا لإدارة الدولة المصرية لقرون طويلة، كما يكشف عن مستوى متقدم من التخطيط العمراني والهندسي الذي تميزت به الدولة المملوكية.

وأوضح الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، أن هذا الكشف جاء نتيجة أعمال الحفائر والدراسات الأثرية التي تُنفذ بالتعاون بين وزارة السياحة والآثار والمعهد الفرنسي للآثار الشرقية، في إطار الجهود المستمرة للكشف عن الكنوز التاريخية المدفونة داخل القاهرة التاريخية.

وأشار إلى أن أعمال التنقيب أسفرت عن العثور على بئرين ضخمين وعدد من السواقي والمجاري المائية المشيدة بالحجر، والتي كانت تشكل شبكة متكاملة لنقل المياه وتوزيعها داخل القلعة.

ويكشف النظام المكتشف جانبًا مهمًا من البنية التحتية التي اعتمدت عليها القلعة خلال العصر المملوكي، حيث أوضح رئيس قطاع الآثار أن المياه كانت تصل من سور مجرى العيون، أحد أعظم المشروعات الهندسية في مصر الإسلامية، ثم تُنقل عبر منظومة دقيقة إلى داخل القلعة.

ومن هناك كانت المياه تُوزع من خلال شبكة من القنوات والمجاري الحجرية لتلبية احتياجات مختلف المنشآت الموجودة داخل أسوار القلعة، سواء للاستخدامات البشرية أو الخدمية.

وتشير الدراسات الأولية إلى أن هذه الشبكة كانت تخدم الإسطبلات ومخازن المؤن وأماكن إقامة الجنود والعاملين، إضافة إلى توفير المياه اللازمة لسقاية الدواب والحيوانات التي كانت تمثل عنصرًا أساسيًا في المنظومة العسكرية والإدارية للدولة آنذاك.

ويرى الأثريون أن أهمية هذا الكشف لا تكمن فقط في العثور على منشآت مائية جديدة، بل في ما يكشفه من مستوى متقدم من المعرفة الهندسية والإدارية لدى المهندسين والمعماريين في العصر المملوكي.

فالنظام المكتشف يعكس قدرة كبيرة على إدارة الموارد المائية وتوزيعها بكفاءة داخل منطقة مرتفعة جغرافيًا مثل قلعة صلاح الدين، وهو ما كان يتطلب حلولًا هندسية معقدة وتقنيات متطورة بالنسبة لتلك الحقبة الزمنية.

كما يوضح الكشف أن القلعة لم تكن مجرد حصن عسكري أو مقر للحكم، بل كانت مدينة متكاملة تضم مختلف المرافق والخدمات التي تضمن استمرار الحياة اليومية بصورة طبيعية داخل أسوارها.

ولم تتوقف نتائج الحفائر عند الكشف عن المنشآت المائية فقط، إذ أسفرت أعمال التنقيب بمنطقة الحصابة عن العثور على بقايا مسجد مملوكي يرجع إلى الفترة نفسها.

ويتميز المسجد المكتشف بطراز معماري يعكس سمات المدارس المملوكية التي ازدهرت في تلك الفترة، حيث يضم صحنًا مكشوفًا تحيط به الإيوانات، إلى جانب محراب يشير إلى الاستخدام الديني والتعليمي للمبنى.

ويؤكد الأثريون أن العناصر المعمارية المكتشفة تمثل إضافة مهمة لفهم طبيعة المنشآت الدينية والتعليمية التي كانت قائمة داخل محيط القلعة خلال العصر المملوكي.

كما كشفت أعمال الحفر عن شواهد أثرية أخرى تشير إلى وجود مبانٍ ومنشآت إضافية قد تكون استخدمت لأغراض خدمية أو إدارية، وهو ما يفتح المجال أمام المزيد من الدراسات والأبحاث الأثرية خلال الفترة المقبلة.

ويأمل الباحثون أن تسهم مواصلة أعمال التنقيب في الكشف عن مزيد من المنشآت التي تساعد على فهم طبيعة التنظيم الإداري والعمراني داخل القلعة ومحيطها، خاصة أن المنطقة تعد من أكثر المواقع التاريخية ثراءً وتنوعًا في القاهرة.

وأكد الدكتور ضياء زهران أن القاهرة التاريخية ما زالت تحتفظ بكم هائل من الكنوز الأثرية المدفونة، موضحًا أن المدينة تضم طبقات تاريخية متعاقبة تمتد من العصر الفاطمي مرورًا بالعصرين الأيوبي والمملوكي وصولًا إلى عصر أسرة محمد علي.

وأشار إلى أن كل طبقة أثرية يتم الكشف عنها تضيف فصلًا جديدًا إلى تاريخ العاصمة المصرية، وتساعد الباحثين على فهم التحولات العمرانية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها المدينة عبر القرون.

وتبقى قلعة صلاح الدين الأيوبي واحدة من أبرز المعالم التاريخية في مصر والعالم الإسلامي، إذ لا تزال الحفائر الأثرية تكشف بين الحين والآخر عن أسرار جديدة تؤكد مكانتها كمركز للحكم والإدارة والدفاع عبر عصور مختلفة.

اقرأ أيضاً.. النيابة تتحرك ضد صبري نخنوخ.. إجراءات احترازية تشمل منع السفر والتحفظ على الأموال

تم نسخ الرابط