كيف تحقق الخشوع في الصلاة؟.. الأزهر يوضح الأسباب والوسائل وأقوال الفقهاء
تُعدّ الصلاة الركن الأعظم بعد الشهادتين، وهي الصلة المباشرة بين العبد وربه، غير أن قيمة الصلاة وثوابها لا يقاسان بمجرد أداء الحركات والأقوال، بل يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بمقدار ما يحضره القلب من خشوع وخضوع لله سبحانه وتعالى.
أوضح الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية مجموعة من الوسائل العملية التي تعين المسلم على تحقيق الخشوع في صلاته، باعتباره من أعظم أسباب قبول العبادة ورفعة الدرجات.
الخشوع.. روح الصلاة وجوهرها الحقيقي
أكد العلماء أن الخشوع هو حالة قلبية عظيمة يعيشها المصلي أثناء وقوفه بين يدي الله تعالى، فيستشعر عظمة الخالق وجلاله، ويملأ قلبه التواضع والانكسار والخضوع، فتنعكس هذه المشاعر على جوارحه وحركاته وسكناته.
ويزداد أجر الصلاة أو ينقص بحسب مقدار حضور القلب فيها، فكلما ازداد تركيز المصلي واستحضاره لمعاني ما يقرأ ويقول، كان ثوابه أعظم وأقرب إلى القبول أما الانشغال بأمور الدنيا وترك النفس تسترسل مع الوساوس والخواطر المختلفة، فإنه يحرم الإنسان جانبًا كبيرًا من ثمار الصلاة وآثارها الإيمانية.
ويشير العلماء إلى أن الصلاة التي تخلو من الخشوع قد تؤدى صحيحة من حيث الأركان والشروط، لكنها تفقد كثيرًا من آثارها التربوية والروحية التي شرعت من أجلها، إذ إن الغاية الكبرى من الصلاة هي تحقيق الصلة الحقيقية بالله تعالى وتزكية النفس وتهذيب السلوك.
وبيّن الأزهر الشريف أن هناك مجموعة من الأمور التي تساعد المسلم على بلوغ درجة الخشوع في الصلاة، ومن أبرزها:
ترديد الأذان خلف المؤذن
يُعد ترديد الأذان من السنن العظيمة التي تهيئ القلب للدخول في الصلاة، حيث ينتقل المسلم تدريجيًا من الانشغال بأمور الدنيا إلى الاستعداد للوقوف بين يدي الله تعالى.
إسباغ الوضوء وإحسانه
فالوضوء ليس مجرد طهارة للجسد، بل هو إعداد نفسي وروحي للصلاة، وكلما أحسن المسلم وضوءه واستشعر فضله، دخل إلى الصلاة بقلب أكثر صفاءً وحضورًا.
المحافظة على الصلاة في وقتها
المبادرة إلى الصلاة عند دخول وقتها من أهم أسباب الخشوع، كما أن أداءها في جماعة يمنح المسلم أجواء إيمانية تساعده على التركيز والسكينة.
الابتعاد عن الضوضاء والمشتتات
ينبغي اختيار مكان هادئ بعيد عن مصادر التشويش والإزعاج، حتى يتمكن القلب من التفرغ للعبادة والتدبر.
الطمأنينة في أداء أركان الصلاة
فالخشوع لا يجتمع مع العجلة، ولذلك كان من الضروري أداء الركوع والسجود والقيام والجلوس بهدوء ووقار، مع إعطاء كل ركن حقه.
استشعار قرب الله سبحانه وتعالى
حين يستحضر المصلي أن الله تعالى يراه ويسمعه ويعلم ما في قلبه، يزداد خشوعه وتعلقه بربه.
فهم معاني الآيات وتدبرها
إن تدبر ما يُتلى من القرآن الكريم يفتح أبواب التأثر والخشوع، ويجعل الصلاة أكثر حياة وتأثيرًا في النفس.
استحضار معاني الأذكار والأدعية
فلا يقتصر الأمر على ترديد الكلمات، بل ينبغي فهم معاني التسبيح والتحميد والتكبير وسائر الأذكار الواردة في الصلاة.
الإكثار من الدعاء أثناء السجود
السجود من أعظم مواطن القرب من الله تعالى، ولذلك يستحب للمسلم أن يكثر فيه من الدعاء والتضرع والخشوع.
المحافظة على أذكار ما بعد الصلاة
فالأذكار التي تعقب الصلاة تساعد على استمرار الحالة الإيمانية التي عاشها المصلي أثناء عبادته، وتزيد من ارتباطه بالله تعالى.
أوضح مجمع البحوث الإسلامية أن من أهم الوسائل المعينة على الخشوع معرفة الكيفية التي كان يؤدي بها النبي صلى الله عليه وسلم صلاته.
فالمسلم مطالب بتعلم واجبات الصلاة وسننها وآدابها وهيئاتها وأذكارها وأدعيتها، ثم الحرص على تطبيقها عمليًا اقتداءً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم القائل:
«صلوا كما رأيتموني أصلي».
فكلما ازداد المسلم علمًا بهدي النبي في الصلاة، ازدادت قدرته على تحقيق الخشوع والسكينة وحضور القلب.
المجاهدة طريق الوصول إلى الخشوع
ويؤكد علماء الأزهر أن الخشوع لا يتحقق دائمًا بصورة فورية، بل يحتاج إلى مجاهدة للنفس وصبر ومثابرة واستمرار.
فقد أخبر الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الفضائل تُكتسب بالمداومة والتدريب، فقال:
«إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم».
ومن هنا فإن المسلم مطالب بألا ييأس إذا وجد قلبه يسرح أثناء الصلاة، بل يستمر في المحاولة والتدريب حتى يرزقه الله تعالى لذة الخشوع وحلاوة المناجاة.
استحضار عظمة الله مفتاح حضور القلب
ومن أعظم أسباب الخشوع أن يستشعر العبد عظمة الله سبحانه وتعالى وجلاله وكبرياءه وسلطانه على الكون كله.
فعندما يقف المصلي للصلاة ينبغي أن يستحضر أنه يقف بين يدي ملك الملوك ورب العالمين، وأنه عبد ضعيف محتاج إلى رحمة مولاه ومغفرته وعونه.
وهذا الشعور يولّد في القلب حالة من التواضع والانكسار والخضوع، وهي جوهر الخشوع الذي أمر الله به عباده المؤمنين.
كثير من المصلين يشكون من الوساوس والأفكار التي تقتحم عليهم صلاتهم، ولذلك أوصى العلماء بما ورد في السنة النبوية من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
كما يُستحب أن ينفث المصلي عن يساره نفثًا خفيفًا إذا اشتدت عليه الوساوس، مع الاستعاذة بالله تعالى، اقتداءً بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك من أسباب طرد الشيطان وإبعاد وساوسه بإذن الله.
الخشوع في الصلاة.. سنة أم واجب؟
من المسائل التي تناولها الفقهاء بالبحث والدراسة مسألة حكم الخشوع في الصلاة، وهل هو سنة أم واجب؟
رأي جمهور الفقهاء
ذهب جمهور العلماء إلى أن الخشوع من سنن الصلاة وآدابها المؤكدة، واستدلوا بأن الصلاة تصح رغم انشغال المصلي ببعض الأفكار الدنيوية ما دام قد أتى بأركانها وشروطها.
واستشهدوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى رجلًا يعبث بلحيته أثناء الصلاة فقال:
«لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه».
ويستفاد من ذلك أن هناك أفعالًا مكروهة تنقص الخشوع، مثل العبث باللحية أو الملابس أو الساعة أو فرقعة الأصابع أو كثرة الالتفات.
كما كره العلماء دخول الإنسان في الصلاة وهو مشغول بحاجات ملحة كالجوع الشديد أو العطش أو احتباس البول أو حضور طعام يشتهيه، لأن هذه الأمور تشغل القلب وتمنع تمام الخشوع.
رأي من أوجب الخشوع
في المقابل، ذهب عدد من أهل العلم إلى أن الخشوع واجب في الصلاة، مستدلين بآيات قرآنية عديدة، منها قوله تعالى:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
وقوله سبحانه:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الخشوع المقصود يشمل السكينة والوقار والتواضع في جميع أجزاء الصلاة، وأن المسلم مأمور بأداء عبادته في حالة من السكون القلبي والبدني.
صور الخشوع كما ذكرها العلماء
فسر العلماء الخشوع بعدة معانٍ متقاربة، منها:
- خشوع القلب لله تعالى.
- استشعار الهيبة والخوف من الله.
- غض البصر أثناء الصلاة.
- ترك الالتفات والانشغال بالمحيط.
- سكون الجوارح وعدم العبث.
- خفض الصوت وإظهار التواضع والانكسار.
كما أكدوا أن الطمأنينة في الركوع والسجود والقيام والجلوس من أهم مظاهر الخشوع، وأن العجلة المفرطة في الصلاة تحرم صاحبها من هذه الفضيلة العظيمة.
اقرأ أيضاً.. الأوقاف تبدأ تجهيز لحوم «صكوك الأضاحي» تمهيدًا لتوزيعها على الأسر الأولى بالرعاية

