كيف يعود الحاج بلا ذنوب كيوم ولدته أمه؟.. الإفتاء والأزهر يكشفان أسرار المغفرة
يُعد الحج أعظم رحلة إيمانية يؤديها المسلم في حياته، فهو ليس مجرد انتقال إلى بقاع مقدسة لأداء شعائر محددة، بل تجربة روحية متكاملة تهدف إلى تطهير النفس وتجديد العهد مع الله تعالى، والانطلاق نحو حياة جديدة عنوانها الطاعة والاستقامة ومع انتهاء موسم الحج وعودة ملايين الحجاج إلى أوطانهم، يبرز سؤال يتكرر في كل عام ويشغل أذهان المسلمين في مختلف أنحاء العالم: كيف يعود الحاج من رحلته المباركة وقد غُفرت ذنوبه وأصبح «كيوم ولدته أمه»؟
هذا السؤال لم يغب عن المؤسسات الدينية والعلماء، حيث أوضح الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن هذه المنزلة العظيمة لا تتحقق بمجرد أداء المناسك في صورتها الظاهرة، وإنما ترتبط بمجموعة من الشروط الإيمانية والسلوكية التي ينبغي أن يلتزم بها المسلم قبل الحج وأثناءه وبعده.
وفي الوقت نفسه، أكدت لجنة الفتوى التابعة لـ مجمع البحوث الإسلامية أن آثار الحج لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء أيامه، بل يجب أن تظل حاضرة في حياة المسلم وسلوكه وأخلاقه، باعتبار أن الحج مدرسة تربوية كبرى تُخرّج الإنسان أكثر قربًا من الله وأكثر التزامًا بمنهجه.
بداية الطريق إلى الحج المبرور
يرى العلماء أن أول خطوة على طريق الحج المقبول تبدأ قبل ارتداء ملابس الإحرام وقبل السفر إلى الأراضي المقدسة، حيث تبدأ من القلب ومن مراجعة النفس وتصحيح العلاقة مع الله تعالى ومع الناس.
وفي هذا الإطار، شدد الشيخ عويضة عثمان على ضرورة أن يحرص من عزم على الحج على التخلص من المعاصي والذنوب، وأن يفتح صفحة جديدة مع ربه قائمة على التوبة الصادقة والندم على ما مضى والعزم على عدم العودة إلى المخالفات.
لكن التوبة وحدها لا تكفي إذا كانت ذمة الإنسان مشغولة بحقوق الآخرين، فالإسلام أولى عناية كبيرة بحقوق العباد، وجعلها من أعظم المسؤوليات التي يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة.
وأوضح أمين الفتوى أن المسلم مطالب برد المظالم إلى أصحابها، وأداء الأمانات، وسداد الديون، وتصحيح أي تجاوزات أو حقوق مترتبة عليه تجاه الآخرين، لأن العبادات مهما عظمت لا تُسقط حقوق البشر.
ويستند العلماء في ذلك إلى قاعدة شرعية راسخة تقول إن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، أما حقوق العباد فمبنية على المشاحة، أي أنها لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة من أصحابها.
ومن هنا فإن الحاج الذي يخرج إلى بيت الله الحرام وهو يحمل في ذمته حقوقًا للناس أو مظالم لم يردها، يحتاج إلى معالجة هذه الأمور أولًا حتى يكون حجه قائمًا على أساس صحيح من الطهارة الظاهرة والباطنة.
يعتقد بعض الناس أن مجرد أداء مناسك الحج يكفي ليعود الإنسان بلا ذنوب، إلا أن العلماء يؤكدون أن هذه البشارة النبوية العظيمة مرتبطة بالحج المبرور الذي تتوافر فيه شروط معينة.
وأوضح الشيخ عويضة عثمان أن قول النبي صلى الله عليه وسلم بشأن الحاج الذي يعود من الحج «كيوم ولدته أمه» لا ينطبق على كل من أدى المناسك بصورة شكلية، بل على من جمع بين صحة الأداء وصفاء النية وحسن الخلق والتزام الآداب الشرعية.
فالحاج الذي يرجو المغفرة الكاملة يجب أن يكون مخلصًا لله تعالى في جميع خطواته، لا يسعى إلى شهرة أو مباهاة أو ثناء من الناس، وإنما يبتغي وجه الله وحده.
كما ينبغي أن يكون ملتزمًا بالأخلاق التي دعا إليها الإسلام، فيتجنب الخصومات والمشاحنات، ويحفظ لسانه من السباب والغيبة والجدال العقيم، ويحرص على الهدوء والتواضع وحسن المعاملة.
وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
وهذه الآية الكريمة تكشف أن الحج ليس مجرد طواف وسعي ووقوف بعرفة، بل هو تدريب عملي على تهذيب النفس والسيطرة على الشهوات والانفعالات وتعويد الإنسان على الصبر والالتزام والانضباط.
ويجمع علماء الشريعة على أن الإخلاص هو حجر الأساس في قبول الأعمال كلها، وفي مقدمتها الحج.
فقد يؤدي شخصان المناسك نفسها وفي المكان نفسه والزمان نفسه، لكن يكون بينهما فرق كبير عند الله بسبب اختلاف النيات والمقاصد.
فالحاج الذي يتجرد لله تعالى ويقصد وجهه الكريم وحده، يكون أقرب إلى نيل ثواب الحج المبرور، بينما يفقد العمل قيمته إذا اختلط بالرياء أو طلب السمعة أو الرغبة في مدح الناس.
ولذلك كان السلف الصالح يخافون على أعمالهم من عدم القبول أكثر من خوفهم من التقصير في أدائها، لأنهم أدركوا أن العبرة ليست بكثرة الأعمال فقط، بل بصدق النية وإخلاص القلب.
ومن هنا يؤكد العلماء أن الحج المبرور يبدأ من القلب قبل أن يبدأ من الميقات، وأن الطريق إلى المغفرة يبدأ بإصلاح النية قبل أداء الشعائر.
الحج في الإسلام.. فريضة عظيمة
من جانبها، أكدت لجنة الفتوى التابعة لمجمع البحوث الإسلامية أن الحج يمثل الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو فريضة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل قادر تتوافر لديه الاستطاعة.
واستشهدت اللجنة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:
«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا».
كما استدلت بقول الله تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
وأوضحت أن هذه الفريضة العظيمة لم تُشرع لمجرد أداء الشعائر، بل لتحقيق مقاصد تربوية وإيمانية وأخلاقية عميقة تترك أثرًا دائمًا في شخصية المسلم.
يشير علماء الأزهر إلى أن السؤال الأهم ليس كيف يؤدي المسلم الحج فقط، وإنما كيف يحافظ على ثماره بعد العودة.
فالكثيرون ينجحون في أداء المناسك، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الاستمرار على طريق الطاعة بعد انتهاء الموسم الإيماني.
وتؤكد لجنة الفتوى أن علامات قبول الحج تظهر في سلوك الإنسان بعد رجوعه، وفي قدرته على المحافظة على القيم التي اكتسبها خلال أيام الحج المباركة.
كشفت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية عن مجموعة من الأعمال التي ينبغي أن يداوم عليها الحاج حتى يحافظ على روح الحج في حياته.
أولًا: إخلاص العمل لله تعالى
بحيث يظل المسلم يستحضر مراقبة الله في كل أعماله وأقواله.
ثانيًا: المداومة على الطاعة
من خلال المحافظة على الصلاة والقرآن والعبادات المختلفة وعدم العودة إلى التقصير.
ثالثًا: الاستمرار في العمل الصالح
فالحج المقبول يثمر زيادة في الخير والإحسان وخدمة الناس.
رابعًا: الالتزام بالتقوى
وهي الغاية الكبرى من جميع العبادات، إذ تجعل المسلم أكثر التزامًا بأوامر الله وأبعد عن معاصيه.
خامسًا: الاستقامة على الطريق المستقيم
بحيث يظل الحاج ثابتًا على منهج الله بعد عودته ولا يتراجع عما اكتسبه من قيم إيمانية.
سادسًا: دوام شكر الله تعالى
على نعمة الحج والتوفيق إلى أداء هذه الفريضة العظيمة.
سابعًا: المداومة على الدعاء
لأن الدعاء من أعظم أسباب الثبات والنجاة والفوز برضا الله.
ثامنًا: الإكثار من ذكر الله
فالذكر يحيي القلوب ويجدد الصلة بالله تعالى في كل وقت.
تاسعًا: كثرة الاستغفار
لأن المؤمن مهما اجتهد يبقى محتاجًا إلى طلب المغفرة وتجديد التوبة باستمرار.
ويؤكد العلماء أن الدليل الحقيقي على قبول الحج لا يتمثل في حمل لقب «الحاج»، ولا في الاحتفاء الاجتماعي بالعودة من الأراضي المقدسة، وإنما في التحول الذي يطرأ على الإنسان بعد هذه الرحلة المباركة.
اقرأ أيضاً.. قبل انتهاء أيام التشريق.. لماذا حث الشرع على التكبير بعد كل صلاة؟