حكم الصيام في أيام التشريق.. ماذا قال النبي ﷺ عن صيامها للحاج وغير الحاج؟
تُعد أيام التشريق، وهي الأيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة، من أعظم الأيام المباركة في الشريعة الإسلامية، إذ تأتي مباشرة بعد يوم النحر وعيد الأضحى المبارك، وتحمل مكانة دينية خاصة ترتبط بمناسك الحج وشعائر الذكر والطاعة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
وقد أولت السنة النبوية المطهرة هذه الأيام اهتمامًا كبيرًا، فوردت فيها أحاديث كثيرة تحدد طبيعتها وأعمالها وأحكامها الشرعية، خاصة فيما يتعلق بحكم الصيام خلالها، سواء للحجاج أو لغير الحجاج، حيث جاءت النصوص النبوية واضحة في النهي عن صيامها إلا في حالات محددة واستثنائية تتعلق ببعض الحجاج.
وتجمع أيام التشريق بين معاني الفرح بنعمة العيد، وإحياء شعائر الإسلام، والإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، ولذلك وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أيام عبادة وذكر وفرح مشروع، وليست أيام تضييق أو مشقة.
أيام التشريق.. لماذا سميت بهذا الاسم؟
ويعود سبب تسمية أيام التشريق بهذا الاسم إلى عادة قديمة كان يفعلها الحجاج والمسلمون في الأزمنة الماضية، حيث كانوا يقومون بتشريق لحوم الأضاحي، أي تقطيعها ونشرها تحت أشعة الشمس لتجفيفها وحفظها من الفساد والتعفن، خاصة في ظل غياب وسائل التبريد الحديثة.
وكان العرب يطلقون على عملية تجفيف اللحم في الشمس اسم التشريق، ولذلك عرفت هذه الأيام باسم أيام التشريق ، نسبة إلى هذا العمل المرتبط بالأضاحي والهدي.
وقد ورد ذكر هذه الأيام في القرآن الكريم باسم الأيام المعدودات، في قول الله تعالى:
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾.
وأكد جمهور المفسرين أن المقصود بالأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة التي يقضيها الحجاج في مشعر منى بعد يوم النحر.
الوصايا النبوية الثلاث في أيام التشريق
وجّه النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في هذه الأيام المباركة إلى ثلاثة أمور عظيمة، وهي: الأكل، والشرب، وذكر الله عز وجل.
وقد ورد ذلك صريحًا في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم عن نبيشة الهذلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل.
ويؤكد العلماء أن هذا الحديث يحمل معاني عظيمة، إذ يوضح أن الإسلام لا يمنع الفرح المشروع أو التوسعة على النفس، بل يجعل ذلك جزءًا من شكر نعمة الله تعالى، ما دام المسلم يوظف هذه النعم في طاعة الله وذكره.
وفي هذا السياق، أوضح الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله أن الحكمة من إباحة الأكل والشرب والتوسعة في أيام العيد وأيام التشريق، هي أن يستعين المسلم بهذه النعم على ذكر الله تعالى وطاعته، ليكون ذلك من تمام شكر النعمة.
وأضاف العلماء أن أيام التشريق ليست أيام غفلة ولهو، وإنما هي أيام عبادة من نوع خاص، يجتمع فيها الذكر مع الفرح، والطاعة مع التوسعة، ولذلك شرع فيها التكبير عقب الصلوات، والإكثار من التهليل والتحميد والاستغفار.
حكم صيام أيام التشريق لغير الحاج
وأكدت الأحاديث النبوية الصحيحة أن الأصل في أيام التشريق هو تحريم الصيام، سواء كان صيام نافلة أو تطوع، لأنها أيام جعلها الله للأكل والشرب وإظهار الفرح بنعمة العيد.
وقد ذهب جمهور العلماء والفقهاء إلى أن صيام هذه الأيام الثلاثة لا يجوز لغير الحاج، مستدلين بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله».
وأوضح الفقهاء أن النهي الوارد في الأحاديث النبوية يدل على التحريم، ولذلك لا يشرع للمسلم أن يصوم أيام التشريق على سبيل التطوع.
أما بالنسبة لصيام القضاء عن الأيام الفائتة من شهر رمضان المبارك، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب فريق من الفقهاء إلى عدم جواز صيام القضاء فيها أيضًا، تمسكًا بعموم النهي الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
بينما أجاز بعض أهل العلم صيام القضاء في هذه الأيام عند الحاجة أو الضرورة، إلا أن جمهور الفقهاء يرون أن تأخير القضاء إلى ما بعد أيام التشريق أولى خروجًا من الخلاف وامتثالاً للأحاديث النبوية الواردة في ذلك.
ورغم النهي العام عن الصيام في أيام التشريق، فإن السنة النبوية استثنت فئة محددة من الحجاج، وهم الحاج المتمتع والحاج القارن إذا لم يجدا الهدي الواجب عليهما.
ففي هذه الحالة يجوز لهما صيام أيام التشريق، لأن الشريعة جعلت الصيام بديلاً عن ذبح الهدي لمن عجز عنه، تيسيرًا ورحمة بالحجاج.
وأوضح العلماء أن هذا الاستثناء هو الوحيد الثابت في السنة النبوية لصيام أيام التشريق، وما عداه يبقى داخلاً في النهي العام عن الصيام.
أحاديث نبوية تؤكد النهي عن الصيام
وجاءت أحاديث كثيرة تؤكد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام التشريق، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه، أنه رأى رجلاً على جمل يتبع الناس في منى، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، وهو ينادي:
«لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب».
كما روى أبو داود عن أبي مرة مولى أم هانئ، أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقدم لهما طعامًا، فقال أحدهما: إني صائم، فقال عمرو:
«كل، فهذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بفطرها وينهى عن صيامها».
اقرأ أيضاً.. يوم الحج الأكبر.. الأوقاف توضح فضل يوم النحر وأبرز أعمال الحجاج

