«اللؤلؤ والمرجان».. أسامة الأزهري: الإحسان طريق الذكر الطيب في الدنيا والآخرة
واصل الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، تقديم حلقات برنامجه «اللؤلؤ والمرجان: كنوز من القرآن»، حيث اصطحب المشاهدين في رحلة إيمانية جديدة داخل الجزء الثالث والعشرين من القرآن الكريم، متوقفًا أمام عدد من الآيات التي تحمل معاني التدبر والتأمل والإحسان، مؤكدًا أن القرآن الكريم ليس مجرد كتاب يُتلى، بل منهج حياة يوقظ القلب ويهذب الروح ويصنع الإنسان الصالح.
وقال الأزهري في بداية الحلقة إن الجزء الثالث والعشرين من القرآن زاخر بالآيات العظيمة التي تفتح أمام الإنسان أبواب التفكر في نعم الله وآياته الكونية، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم يرسخ قيم الرحمة والإحسان والعمل الصالح، ويمنح الإنسان القدرة على رؤية الجمال الإلهي في تفاصيل الحياة اليومية.
وأوضح أن التأمل في آيات القرآن يقود الإنسان إلى حالة من اليقين والصفاء الداخلي، ويجعله أكثر إدراكًا لعظمة الخالق سبحانه وتعالى، مضيفًا أن كلما تعمق الإنسان في فهم كلام الله، ازدادت بصيرته واستقامت أخلاقه وتجددت علاقته بربه.
الأرض الميتة.. درس في القدرة الإلهية
وتوقف وزير الأوقاف عند قول الله تعالى: «وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ»، موضحًا أن هذه الآية العظيمة تقدم نموذجًا حيًا ومتكررًا يوميًا لقدرة الله سبحانه وتعالى في إحياء الأرض بعد موتها.
وأشار إلى أن الإنسان يعيش وسط نعم لا حصر لها، لكنه قد يفقد الإحساس بعظمتها نتيجة الاعتياد والألفة، مؤكدًا أن أخطر ما يصيب القلب هو التعود على النعمة حتى تتحول إلى أمر عادي لا يلفت الانتباه.
وأضاف أن القرآن الكريم يعيد إيقاظ الإنسان من حالة الغفلة عبر دعوته المستمرة للتأمل في الكون، موضحًا أن مشهد نزول المطر وتحول الأرض الجافة إلى أرض خضراء مليئة بالحياة، هو رسالة يومية تؤكد عظمة الخالق ورحمته بعباده.
واستشهد الأزهري بقول الله تعالى: «وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا»، مشددًا على أن نعم الله لا يمكن حصرها أو الإحاطة بها مهما حاول الإنسان.
الصحة والفراغ.. نعم يغفل عنها كثيرون
وفي سياق حديثه عن النعم، استشهد وزير الأوقاف بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، مؤكدًا أن الإنسان غالبًا لا يدرك قيمة الصحة إلا بعد المرض، ولا يعرف قيمة الوقت إلا بعد ضياعه.
وأوضح أن الإسلام يدعو إلى حسن استثمار العمر والوقت والطاقة فيما ينفع الإنسان في دنياه وآخرته، مشيرًا إلى أن الغفلة عن قيمة النعم تؤدي إلى فقدان الشعور بالامتنان الحقيقي لله سبحانه وتعالى.
وأكد الأزهري أن التفكر في نعم الله يولد داخل الإنسان حالة من الشكر والرضا والطمأنينة، ويجعله أكثر قدرة على مواجهة صعوبات الحياة بثقة وإيمان.
اقرأ أيضاً.. أبرز مخالفات رمي الجمرات في الحج.. الأوقاف توضح الأحكام الشرعية وآداب أداء النسك
لمسات بلاغية تكشف إعجاز القرآن
وتناول الأزهري جانبًا من الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم عند تفسير قوله تعالى: «لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ».
وأوضح أن كلمة «ما» في الآية تحمل أكثر من احتمال لغوي وبلاغي، وهو ما يكشف عن ثراء النص القرآني وعمق دلالاته، مبينًا أن «ما» قد تكون اسمًا موصولًا بمعنى «الذي»، فيصبح المقصود ما زرعته أيدي البشر وسقوه ورعوه.
وأضاف أنه يمكن أيضًا فهمها على أنها أداة نفي، أي أن الثمار في حقيقتها ليست من صنع الإنسان، وإنما خلق الله سبحانه وتعالى وحده، حتى وإن قام الإنسان بأسباب الزراعة والرعاية.
وأشار إلى أن هذا التنوع في المعاني يفتح آفاقًا واسعة للتأمل والتدبر، ويؤكد أن القرآن الكريم يحمل في ألفاظه معاني متعددة تتجدد مع الزمن.
سورة الصافات.. سورة المحسنين
وانتقل وزير الأوقاف إلى الحديث عن سورة الصافات، واصفًا إياها بأنها «سورة المحسنين»، بسبب تكرار وصف الأنبياء فيها بالإحسان وربط هذا الإحسان بالجزاء الحسن والذكر الطيب.
وتوقف عند قول الله تعالى عن سيدنا نوح عليه السلام: «سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ»، موضحًا أن الله سبحانه وتعالى أبقى للنبي نوح ذكرًا حسنًا بين الناس عبر الأجيال المتعاقبة.
وأكد أن معنى «وتركنا عليه في الآخرين» يشير إلى استمرار الثناء الحسن على الأنبياء والصالحين، وهو ما يمثل درسًا تربويًا مهمًا لكل إنسان في ضرورة السعي لترك أثر طيب في الحياة.
وأشار إلى أن القرآن كرر المعنى نفسه مع سيدنا إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: «سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ»، وكذلك مع موسى وهارون وإلياس عليهم السلام.
وأوضح الأزهري أن الرابط المشترك بين هؤلاء الأنبياء هو الإحسان، مؤكدًا أن الإحسان يمثل أعلى مراتب الإيمان، وهو أن يعبد الإنسان ربه كأنه يراه، إلى جانب إتقان العمل والقيام بالمسؤوليات بأمانة وإخلاص.
الإحسان ليس عبادة فقط
وشدد وزير الأوقاف على أن مفهوم الإحسان في الإسلام لا يقتصر على أداء العبادات، بل يمتد ليشمل كل تفاصيل الحياة، سواء في العمل أو العلاقات الإنسانية أو تحمل المسؤولية.
وأوضح أن الإنسان المحسن هو الذي يؤدي عمله بإتقان، ويتعامل مع الناس بأخلاق راقية، ويحرص على أن يكون نافعًا لمجتمعه ووطنه.
وأضاف أن الذكر الحسن الذي يبقى للإنسان بعد رحيله لا يتحقق بالمال أو المناصب، وإنما يتحقق بالأثر الطيب والعمل الصالح والإخلاص.
داود وسليمان.. نماذج للحكمة والعبادة
كما تناولت الحلقة الحديث عن سيدنا داود وسيدنا سليمان عليهما السلام، حيث أشار الأزهري إلى أن القرآن الكريم قدمهما كنموذجين يجمعان بين القوة والعدل والحكمة والعبادة.
وأوضح أن الله سبحانه وتعالى منح سليمان عليه السلام ملكًا عظيمًا وإمكانات واسعة، لكنه استخدمها في طاعة الله وتحقيق العدل وخدمة الناس.
وتوقف عند قول الله تعالى: «هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ»، موضحًا أن النعم التي يمنحها الله للإنسان هي اختبار حقيقي لكيفية توظيفها فيما يرضيه سبحانه وتعالى.
وأشار إلى أن القرب من الله وحسن العمل هما أساس المكانة الحقيقية للإنسان، وليس مجرد امتلاك القوة أو المال.
الاستماع للحق واتباع الأحسن
وفي ختام الحلقة، توقف الدكتور أسامة الأزهري عند قول الله تعالى: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ»، مؤكدًا أن هذه الآية ترسم منهجًا متكاملًا في التفكير والتعامل مع الحياة.
وأوضح أن الإسلام يدعو الإنسان إلى حسن الاستماع والتفكير الواعي والقدرة على التمييز بين الآراء والأقوال، ثم اختيار الأفضل والأكثر حقًا وخيرًا.
وأكد أن الإنسان العاقل ليس من يسمع فقط، بل من يحسن الاختيار ويترجم ما يسمعه إلى سلوك عملي وأخلاق راقية.
وفي نهاية الحلقة، دعا وزير الأوقاف الله سبحانه وتعالى أن ينير القلوب بنور القرآن الكريم، وأن يرزق الجميع الفهم الصحيح والعمل الصالح، مؤكدًا أن القرآن سيظل دائمًا مصدر الهداية والرحمة والسكينة للإنسانية كلها.