قانون الأحوال الشخصية الجديد: فحص طبي إلزامي وعقوبات رادعة للمخالفين
تشهد المنظومة التشريعية في مصر تحولًا جذريًا يستهدف تحصين البناء الأسري وحمايته من الأزمات الصحية والاجتماعية التي قد تعصف باستقراره. وفي هذا السياق، جاءت التعديلات الأخيرة التي تضمنها مشروع القانون الجديد الذي تقدمت به الحكومة، لتضع محددات صارمة وضوابط حاسمة تضمن سلامة الطرفين قبل الإقدام على خطوة تكوين وبناء أسرة جديدة.
ولم يغفل المشرّع وضع آليات رقابية مشددة تضمن التنفيذ الدقيق لهذه الضوابط على أرض الواقع.
الفحص الطبي الإلزامي في مسودة قانون الأحوال الشخصية
أقرت النصوص الجديدة لمشروع القانون شرطًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه لإتمام المعاملات الرسمية للزواج، حيث بات من الإلزامي على الشباب من الجنسين المقبلين على ارتباط رسمي إجراء فحوصات طبية شاملة.
ووفقًا للمشروع، يتعين على الطرفين الحصول على شهادة صحية معتمدة تثبت خضوعهما لهذه الفحوصات كشرط رئيسي ومسبق قبل الشروع في توثيق عقد القران رسميًا.
هذا الإجراء التنظيمي لا يقتصر فقط على المواطنين المقيمين داخل الأراضي المصرية، بل يمتد ليشمل الحالات التي يكون فيها أحد الطرفين متواجدًا خارج البلاد، ويقوم بإتمام إجراءات زواجه عبر وكيل قانوني عنه.
ويهدف هذا الشمول إلى سد أي ثغرات قد تسمح بتجاوز هذا الفحص الهام.
الضوابط الصحية وفق محددات قانون الأحوال الشخصية
تستند الآلية الطبية المعتمدة في هذا الشأن إلى معايير وقرارات وزارية سابقة، وتحديدًا ما نص عليه القرار الصادر عن وزارة الصحة والسكان رقم 338 لسنة 2008.
وتركّز هذه الفحوصات بشكل أساسي على:
ـ الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية: لضمان عدم انتقال جينات مرضية قد تؤثر على الأجيال القادمة.
ـ رصد الأمراض المعدية: لحماية الشريكين من انتقال أي عدوى قد تهدد سلامتهما الصحية.
ـ ضمان الاستقرار الأسري: الحد من المشكلات الطبية المفاجئة التي قد تؤدي إلى تفكك الروابط الأسرية لاحقًا.
وبناءً على ذلك، ألقى القانون مسؤولية مباشرة على عاتق المأذون الشرعي أو الموثق المسؤول، حيث أوجب عليه ضرورة الاطلاع الفعلي والفحص الدقيق للشهادة الطبية المعتمدة قبل البدء في كتابة العقد، مع إلزامية تدوين كافة البيانات الرسمية الواردة بالشهادة وتضمينها بشكل واضح داخل وثيقة الزواج الرسمية.
العقوبات والغرامات المغلظة في قانون الأحوال الشخصية
لم تقف التعديلات التشريعية عند حد وضع القواعد، بل أقرت منظومة عقابية صارمة لضمان الامتثال التام ومنع أي تلاعب أو تساهل من قِبل القائمين على توثيق العقود. وفرض المشروع عقوبات مالية وإدارية رادعة على كل من يخالف هذه التعليمات.
وتتمثل هذه العقوبات في فرض غرامة مالية تبدأ من 10 آلاف جنيه كحد أدنى، وتصل إلى 20 ألف جنيه كحد أقصى، بحق أي مأذون أو موثق يثبت قيامه بإبرام عقد زواج دون التأكد اليقيني من وجود الشهادة الطبية الرسمية واستيفائها للشروط. ولم تقتصر العقوبة على الشق المالي فقط، بل منحت النصوص القضائية المحكمة المختصة كامل الصلاحية لإصدار حكم بعزل المأذون أو الموثق المخالف من منصبه، مما يعكس الجدية الحازمة للدولة في تفعيل الرقابة الصارمة.
الأهداف الاجتماعية والوقائية لـ قانون الأحوال الشخصية
تأتي هذه الخطوات التشريعية المتكاملة في إطار رؤية استراتيجية أوسع تبنتها الدولة للارتقاء بالمنظومة الصحية للمجتمع. فالهدف الأساسي لا يقف عند حدود الإجراءات الورقية الروتينية، بل يمتد ليكون أداة وقائية تسهم في خفض معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة والوراثية بين المواليد الجدد.
تسعى هذه التعديلات إلى نشر ثقافة الوعي الصحي الفعال بين الشباب، وتوجيههم نحو أهمية التشخيص المبكر للمشكلات الصحية قبل الزواج، مما يساهم بشكل مباشر في تقليص الأعباء النفسية والمادية الناتجة عن الأمراض، ويدعم بناء مجتمع قوي يرتكز على أسر مستقرة ومعافاة صحيًا ونفسيًا.
