نصر نعيم يكتب: صراخ «سبيد» وثورة «التوكتوك».. العالم يحاكم الأرجنتين
حينما يصبح العالم محاميك الخاص، وتنتفض شعوبٌ لا تعرفك ولم تزر بلادك من قبل للدفاع عن قسطاس عدلك المستباح.. حينها فقط اعلم أنك لم تعد مجرد فريق يركض خلف كرة من الجلد، بل تحولت إلى رمز وقضية.
ما شهده العالم في أعقاب مواجهة المنتخب المصري ونظيره الأرجنتيني لم يكن مجرد غضب عابر من خسارة كروية، بل كان زلزالاً هز أركان المنظومة الدولية للعبة، وموجة تعاطف جارفة غير مسبوقة في تاريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، لقد دافع ملايين المشاهير والبسطاء حول الأرض عن مصر بحرقة، وكأنهم يعيدون صياغة الحقيقة: مصر بلدٌ أكبر من أن يُستهدف، ومكانةٌ أرفع من أن تُهان، واسمٌ يُفرض تقديره بقوة التاريخ والجدارة.
من أمريكا إلى الهند: جغرافيا الانتماء للفراعنة.. لم تكن نصرة الفراعنة نابعة من انحياز إقليمي، بل كانت ثورة كونية ضد الفساد الكروي. كيف لنا أن نُفسر أن يرتدي مؤثر عالمي بحجم "آي شو سبيد" قميص المنتخب المصري في بث مباشر أمام ملايين المتابعين، رافضاً قميص ميسي؟ بل ويتحول في مدرجات الملعب إلى مشجع مصري صميم، يصرخ بحماسة هستيرية محاولاً تشتيت تركيز ميسي أثناء ركلة الجزاء في مشهد يختزل إيماناً مطلقاً بعدالة القضية المصرية، لينتهي به المطاف باكياً وحزيناً على ضياع حق الفراعنة.
وفي أقصى الشرق، تبث منصات التواصل فيديو لمواطن هندي يطرد راكباً من "توكتوك" لمجرد أنه يرتدي قميص ميسي، ناعتاً إياه بـ "لص المباريات"، هذه المشاهد، التي تكررت بآلاف الصيغ واللغات، لم تكن مجرد سخرية، بل كانت "محاكمة شعبية عالمية" للأرجنتين، وإدانة صريحة لمنظومة تحكيمية افتقدت للضمير والنزاهة، وطالت سياطها رئيس الفيفا نفسه، الذي تحول في نظر الجماهير إلى راعٍ لانحياز فج يضمن تدفق مئات ملايين الدولارات وعقود المراهنات حتى المباراة النهائية.
لقد كشفت هذه المباراة أسوأ ما في كرة القدم الحديثة، وسلطت الضوء كأوضح ما يكون على سياسة "الكيل بمكيالين"، ومافيا غسيل الأموال والمراهنات التي تدار في الغرف المغلقة، والتي لم يتردد كبار أساطير ونجوم اللعبة في التنديد بها علناً.
لقد حاصرت الفضيحة الموثقة بالصوت والصورة مبنى الفيفا، مما اضطرها لإصدار بيان دفاعي باهت ينفي تعمد الظلم التحكيمي، لكنه جاء في "الوقت بدل الضائع"، بيان ميت لم يلتفت إليه أحد لأن الفضيحة كانت قد عُمدت بوعي الشعوب، وحتى محاولة رئيس الفيفا لامتصاص الغضب العالمي برفع العلم المصري، وكتابة تدوينة يمتدح فيها قوة الفراعنة وصناعتهم للتاريخ، لم تكن سوى محاولة بائسة لغسيل السمعة، ردت عليها التعليقات الساخرة من كل حدب وصوب لتؤكد له: أن العدالة لا تُباع في سوق العلاقات العامة.
على أرضية الميدان، حقق المنتخب المصري مجداً وشهرة غير مسبوقة في أصقاع المعمورة، لقد سلط الظلم التحكيمي الضوء على عبقرية هذا الجيل، وتنظيمه، ومهارة لاعبيه بقيادة عميدهم، على مدار 80 دقيقة، وقف حامل اللقب وأبطال العالم عاجزين، خائفين، ومذعورين أمام إعصار مصري تقدم بهدفين، وهدف ثالث شرعي تم إلغاؤه بدم بارد.
لم ينقذ أبطال العالم من فضيحة كروية تاريخية سوى صافرة جائرة؛ فالأرجنتين بالنسبة لبيزنس الكرة هي الدجاجة التي تبيض ذهباً، وخروجها يعني خسارة مئات ملايين الدولارات، وهو ما لم يكن الفيفا ليسمح به.
"إن الإنجاز الذي حققه الجهاز الفني واللاعبون وبعثة الفراعنة، بالخسارة الظالمة في مباراة واحدة وفوزين وتعادلات مستحقة، هو إنجاز محفور في الصخر، ولا يمكن لأنصاف الجهلة أو المشككين التقليل من حجمه."
قد تكون مصر قد أُقصيت عمداً من الوصول إلى دور الثمانية، وحُرمت من الذهاب بعيداً في بطولة كانت تستحق لقبها بجدارة، لكنها فازت بما هو أثمن من الكأس المطلي بالذهب.
لقد ربحت مصر "الكأس الأخلاقية"، وفازت بحب جارف ملا فضاء السوشيال ميديا والإعلام الدولي بكل لغات الأرض، خرجت مصر من البطولة مرفوعة الرأس، يحيطها احترام العالم، بينما بقي الآخرون يحملون انتصاراً مشبوهاً ستظل تطارده لعنة "العدالة المفقودة"، لقد خسرنا مباراة بفعل فاعل، لكننا كسبنا انحياز التاريخ.. وهذا هو المجد الذي لا يُشترى بالمال.