رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

مؤنسات الحرم في يوم عرفة.. حارسات البيت العتيق حين يغيب الحجيج إلى عرفات

مؤنسات الحرم المكي
مؤنسات الحرم المكي

في كل عام، ومع حلول يوم التاسع من ذي الحجة، يتغير المشهد داخل المسجد الحرام بصورة لافتة ومؤثرة، ففي الوقت الذي تتجه فيه ملايين القلوب والأجساد نحو صعيد عرفات لأداء الركن الأعظم من الحج، يبدو صحن الكعبة المشرفة مختلفًا عن بقية أيام الموسم؛ إذ يختفي الزحام المعتاد للحجاج الذين يرتدون ملابس الإحرام البيضاء، ليحل محلهم حضور نسائي كثيف يغلب عليه السواد، في مشهد روحاني عريق ارتبط بتاريخ مكة المكرمة وعادات أهلها منذ مئات السنين.

هذا المشهد الذي يثير فضول كثير من المسلمين حول العالم، يرتبط بما يُعرف في التراث المكي باسم مؤنسات الحرم، وهن نساء مكة المكرمة اللاتي يحرصن على التواجد داخل المسجد الحرام يوم عرفة، حفاظًا على بقاء البيت العتيق عامرًا بالذكر والطواف والعبادة، بينما يكون الرجال في المشاعر المقدسة مع الحجيج.

من هن مؤنسات الحرم المكي؟

يطلق اسم مؤنسات الحرم على نساء مكة المكرمة اللاتي اعتدن التوافد إلى المسجد الحرام يوم عرفة، مرتديات العباءات السوداء التقليدية، لقضاء اليوم في الصلاة والطواف والذكر والدعاء حتى ساعات متأخرة من الليل.

ويرتبط هذا التقليد بعادة اجتماعية ودينية قديمة لدى أهل مكة، تقوم على عدم ترك الحرم خاليًا أثناء توجه الحجاج إلى عرفات، خاصة أن غالبية الرجال يكونون منشغلين بالحج أو بخدمة ضيوف الرحمن، فتتولى النساء مهمة إعمار المسجد الحرام بالعبادة.

ولذلك، يظهر صحن الطواف في ذلك اليوم وكأنه قد اكتسى بالسواد، نتيجة كثافة أعداد النساء اللاتي يتواجدن داخله، في صورة تختلف تمامًا عن المشهد الأبيض المعتاد الذي يطغى على موسم الحج بسبب ملابس الإحرام.

ويُعرف يوم عرفة داخل مكة المكرمة أيضًا باسم يوم الخليف، وهو مصطلح متوارث بين أهالي المدينة المقدسة، يشير إلى اليوم الذي يخلو فيه الحرم نسبيًا من الحجاج بعد توجههم إلى جبل عرفات.

وفي هذا اليوم، يستغل سكان مكة، خصوصًا النساء والأطفال وكبار السن، هدوء المسجد الحرام لأداء العمرة والطواف والصلاة في أجواء أكثر سكينة مقارنة ببقية أيام الموسم.

ويؤكد مؤرخون وباحثون في التراث المكي أن هذا التقليد ظل حاضرًا عبر العقود، حيث اعتادت نساء مكة أن يكنّ أنيسات للحرم، فلا يتركن صحن الكعبة فارغًا من الطائفين والذاكرين، حتى أُطلق عليهن لقب مؤنسات الحرم

لماذا ترتدي مؤنسات الحرم اللون الأسود؟

اللون الأسود الذي يلفت الأنظار يوم عرفة ليس زيًا موحدًا رسميًا، وإنما يعود إلى طبيعة اللباس التقليدي السائد بين نساء مكة المكرمة، حيث ترتدي أغلب النساء العباءات السوداء المحتشمة، وهو ما يجعل صحن الحرم يبدو وكأنه متشح بالسواد في ذلك اليوم.

ومع كثافة حضور النساء داخل المسجد الحرام، يتحول المشهد إلى لوحة روحانية فريدة، تجمع بين السكينة والوقار، وتُبرز خصوصية يوم عرفة داخل مكة المكرمة.

ويُعد يوم عرفة من الأيام النادرة التي يشهد فيها المسجد الحرام هدوءًا نسبيًا مقارنة ببقية أيام الحج، إذ تتجه الجموع إلى عرفات منذ ساعات الصباح الأولى، لتأدية الوقوف بعرفة، الركن الأعظم من أركان الحج.

وفي المقابل، تبدأ نساء مكة بالتوافد إلى الحرم منذ الصباح، حيث يحرصن على الطواف وقراءة القرآن والدعاء، فيما يبقى الأطفال والعائلات في أجواء إيمانية مميزة تمتد حتى منتصف ليلة عيد الأضحى.

ويصف كثير من زوار مكة هذا المشهد بأنه من أكثر المشاهد تأثيرًا في موسم الحج، إذ يجتمع فيه عبق التاريخ بروحانية المكان وقدسية الزمان.

عادة متوارثة تحمل أبعادًا روحية واجتماعية

ولا يقتصر حضور مؤنسات الحرم على الجانب الشكلي أو الاجتماعي فحسب، بل يحمل أبعادًا روحية عميقة، إذ ترى نساء مكة في هذا اليوم فرصة عظيمة للعبادة في أطهر بقاع الأرض، خاصة مع انشغال الحجاج بالوقوف بعرفة.

كما يمثل هذا التقليد صورة من صور الارتباط الوجداني بين أهل مكة والبيت الحرام، حيث يشعر السكان بمسؤولية معنوية تجاه المسجد الحرام، وضرورة بقائه عامرًا بالطائفين والذاكرين في كل الأوقات.

ويحتل يوم عرفة مكانة عظيمة في قلوب المسلمين، فهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وأحد أفضل أيام العام، وفيه يقف الحجاج على جبل عرفات متضرعين إلى الله بالدعاء والاستغفار والرجاء.

وقد وردت نصوص كثيرة في فضل هذا اليوم، منها ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

وهو الحديث الذي رواه الإمام الترمذي، ويُعد من أشهر الأحاديث الواردة في فضل الدعاء يوم عرفة.

ومع وقوف الحجاج بعرفات، يبقى المسجد الحرام نابضًا بالعبادة بفضل أهل مكة وزوارها، خاصة النساء اللاتي يملأن صحن الطواف بالدعاء والتلبية وقراءة القرآن.

ويحرص كثير من أهالي مكة على اصطحاب أطفالهم في هذا اليوم، لتعريفهم بعظمة هذه الشعيرة، وغرس محبة الحرم والارتباط بالبيت العتيق في نفوسهم منذ الصغر.

كما تتحول أروقة المسجد الحرام في يوم عرفة إلى مساحة روحانية هادئة، تختلط فيها الدموع بالدعوات، وتتعالى فيها أصوات التهليل والتكبير، في صورة إيمانية تجسد قدسية المكان والمناسبة.

اقرأ أيضاً.. خطبة عيد الأضحى 2026.. الأوقاف تدعو لنشر البهجة والتوسعة على الناس

تم نسخ الرابط