ماهو يوم التروية.. وسر تسميته وعلاقته بمناسك الحج ومايفعله الحاج في هذا اليوم؟
تتجه أنظار العالم الإسلامي في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة من كل عام نحو مشعر "منى" بمكة المكرمة، حيث يتدفق حجاج بيت الله الحرام لقضاء "يوم التروية"، ويمثل هذا اليوم الميقات الزماني الفعلي لانطلاق مناسك الحج العظمى، والتهيئة الروحية والبدنية الكاملة قبل الصعود إلى صعيد عرفات الطاهر لأداء ركن الحج الأعظم.
سر التسمية: دلالات تاريخية وإيمانية
تتعدد الروايات التاريخية والفقهية حول سبب تسمية اليوم الثامن من ذي الحجة بـ "يوم التروية"، وتعود أبرز هذه الروايات إلى أبعاد جغرافية وتاريخية ارتبطت بطبيعة مكة المكرمة قديماً.
التزوّد بالماء (الرواية الأشهر):
لغوياً، تأتي التروية من "رَوِيَ" أي شرب حتى ذهب عطشه، واستسقى الماء. قديماً، لم تكن المياه متوفرة في مشعري منى وعرفات، فكان الحجاج يتروون من الماء في مكة المكرمة، أي يملأون أوعيتهم ويسقون إبلهم ويتزودون بما يكفيهم من الماء طوال أيام الحج المقابلة قبل الخروج إلى منى.
تروّي النبي إبراهيم عليه السلام: تشير روايات أخرى إلى أن التسمية ترتبط بالنبي إبراهيم، حيث رأى في منامه تلك الليلة ذبح ابنه إسماعيل، فأصبح طوال يومه يتروى في نفسه (أي يفكر ويتأمل): أهو حلم عابر أم أمر من الله تعالى؟ حتى تيقّن وعَرَفَ أنه وحي في اليوم التالي، فسمي اليوم التاسع بـ "يوم عرفة".
هل هو من مناسك الحج؟ (الحكم الفقهي)
يُعد الذهاب إلى منى والمبيت فيها يوم التروية سُنّة مؤكدة عن النبي محمد ﷺ وليس ركناً ولا واجباً من واجبات الحج.
بمعنى أن الحج يصح بدونه؛ فلو تخلف الحاج عن التوجه إلى منى يوم الثامن وتوجه مباشرة إلى صعيد عرفات يوم التاسع، فحجّه صحيح تام ولا فدية عليه، وإن كان قد فاته فضل اتباع السُنّة النبوية الشريفة.
أعمال الحاج في يوم التروية
يسير الحجاج في هذا اليوم وفق منظومة من العبادات والسنن التعبدية التي تهيئ نفوسهم للموقف العظيم:
الإحرام للمتمتع:
يبدأ الحجاج المتمتعون (الذين تحللوا من إحرام العمرة) بالإحرام بالحج مجدداً ضحى هذا اليوم من أماكن سكنهم بمكة، حيث يغتسلون ويلبسون ملابس الإحرام ويقولون: "لبيك حَجّاً"، أما الحاج المفرد والقارن فهما باقون على إحرامهما الأول.
التوجه إلى منى والجهر بالتلبية:
يخرج الحجاج إلى مشعر منى مكثرين من التلبية وذكر الله تعالى.
أداء الصلوات الخمس قصراً بلا جمع: يصلي الحجاج في منى صلوات (الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفجر يوم عرفة). والمشروع هنا هو قصر الصلوات الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) إلى ركعتين، بحيث تصلى كل صلاة في وقتها المحدد دون جمع بينها، اقتداءً بـفعل النبي ﷺ.
المبيت في منى:
يبيت الحجاج ليلتهم في منى، حتى إذا طلعت شمس اليوم التاسع (يوم عرفة)، غادروها متوجهين إلى صعيد عرفات بيقين متجدد ونفوس خاشعة.

