لماذا سُمّي يوم التروية بهذا الاسم؟.. روايات تاريخية تفسّر سر التسمية ومعانيه
يُعد يوم التروية، وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، من الأيام المباركة في موسم الحج، ويأتي قبيل الوقوف بعرفة، الركن الأعظم من أركان الحج ومع اقتراب هذا اليوم، يتجدد التساؤل حول سر تسميته بهذا الاسم، وما يحمله من دلالات تاريخية وروحية، خاصة مع تعدد الروايات الواردة في تفسيره.
روايتان في التسمية
ذكر العلماء أن لتسمية يوم التروية أكثر من سبب، أبرزها سبب يرتبط بالحجاج قديمًا، إذ كانوا يتزودون بالماء في هذا اليوم استعدادًا لأيام الحج التالية، في وقت كانت فيه مصادر المياه محدودة بالمشاعر المقدسة، فكانوا يحملون الماء من مكة إلى منى وعرفات.
وقد أشار العلامة البابرتي في كتابه «العناية شرح الهداية» إلى أن التسمية جاءت لأن الناس كانوا “يرتوون بالماء من العطش ويحملونه بالروايا إلى عرفات ومنى”، وهو ما جعل اليوم يُعرف بيوم التروية.
أما السبب الثاني فيعود إلى ما ورد في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل، فظل في صباح اليوم الثامن يتفكر ويتروّى ويتأمل في الرؤيا، هل هي من عند الله أم من وسوسة الشيطان.
وقد نقل الإمام العيني هذا التفسير في «البناية شرح الهداية»، موضحًا أن هذا التردد والتفكر هو ما جعل اليوم يُسمّى بيوم التروية، أي يوم التأمل والتثبّت.
يوم الانتقال إلى منى وبداية المناسك
في هذا اليوم، يتجه الحجاج إلى مشعر منى، إيذانًا ببدء أولى محطات الحج، حيث يُحرم الحاج المتمتع، بينما يبقى المفرد والقارن على إحرامهما، ويقضي الحجاج يومهم وليلتهم في منى اتباعًا للسنة النبوية.
كما يؤدون الصلوات الخمس قصرًا دون جمع، في مشهد تعبدي يملؤه الذكر والتلبية والاستعداد ليوم عرفة.
التسمية في كتب العلماء والسير
تؤكد المصادر الفقهية والتاريخية أن اختلاف الروايات في سبب التسمية لا ينفي المعنى العام، إذ يجتمع فيها معنى التزود والاستعداد.
فقد ذكر الإمام النووي أن الحجاج كانوا يحملون الماء معهم من مكة إلى عرفات، فسُمي اليوم يوم التروية، كما سُمي أيضًا “يوم النقلة” لانتقال الحجاج من مكة إلى منى.
بُعد إيماني ومرحلة تهيئة روحية
يمثل يوم التروية بداية التحول الفعلي في مناسك الحج، حيث ينتقل الحاج من مرحلة الإعداد إلى الدخول في أعظم المشاعر، استعدادًا للوقوف بعرفة.
كما يحمل اليوم دلالة روحية عميقة تقوم على الاستعداد، والتجرد، والتأمل، وتهيئة النفس لأعظم لحظات الحج، في وقت يكثر فيه المسلمون من الذكر والدعاء، طلبًا للقبول والرحمة.
يقع يوم التروية ضمن الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة، التي أقسم الله بها في كتابه الكريم، وجعل العمل الصالح فيها من أحب الأعمال إليه.
وقد ورد في الحديث الشريف أن العمل الصالح في هذه الأيام يفوق غيرها من الأيام، وهو ما يضفي على يوم التروية مكانة خاصة ضمن موسم الطاعات والعبادات.
اقرأ أيضاً.. ذكرى رحيل الشيخ السيد سعيد.. سلطان القرّاء وصوتٌ قرآني خاشع لا يغيب